لم يتوان الرئيس ميشال عون عن غسل يديه من حكومة سعد الحريري الأولى، والتي هي أولى حكومات عهده، لأنه يعرف جيداً أنّها لا تلبي طموحات مؤيديه وناسه، ولا هي تشبه خياراته التي بنى على أساساتها خطاباته ورؤيته السياسية، فوعدهم خيراً بحكومة ما بعد الانتخابات النيابية.
هكذا، يتعامل رئيس الجمهورية مع المولود المنتظر على أنها حكومة انتقالية، لا وظيفة اساسية لها الا اجراء الاستحقاق المؤجل من سبع سنوات، على أمل أن تكون صناديق الاقتراع، معمودية النار الأساسية للعهد الجديد، ليضع بعدها اولى بصماته ومشاريعه.
ولهذا، يستعين بالواقعية الزئبقية، التي تحتّم عليه دفع الآخرين الى تبادل التنازلات دفعاً باتجاه حياكة حكومة الحدّ الأدنى من الطموحات، وهو يعلم جيداً أنّ وظيفتها الوحيدة هي اجراء الاستحقاق الدستوري المؤجل منذ أكثر من سبع سنوات... وسداد الديون الرئاسية المستحقة عليه بشكل أساسي.
بهذا المعنى تراه يتهيأ نفسياً للتوقيع على مراسيم "حكومة الأمر الواقع" التي تشبه في الكثير من وجوهها وتوزانها السياسي، تلك التي تتولى حالياً تصريف الأعمال، قبل دخول مدار الاستحقاق النيابي، الذي يبدو أنه سيشكل استثناء لكل الدورات الانتخابية السابقة.
ووفقاً لخارطة التفاهمات التي مهدت وصول "الجنرال" الى قصر بعبدا، يبدو أنّ خارطة التحالفات النيابية تشي بلوحة سوريالية غريبة عجيبة يصعب من الآن تخيل مفاعليها. وذلك للأسباب الآتية:
- أولاً، الاتجاه الى تكريس التفاهم بين "التيار الوطني الحر" و"القوات" نيابياً ولا سيما في جبل لبنان، وبيروت بدائرتها الأولى وزحلة، حيث تشير المعطيات الى أسماء صارت متداولة وقد تشكل خط التقاء بين الفريقين، وتحديداً حصة "القوات" من اللوائح البرتقالية.
- ثانياً، سقوط التفاهم بين "التيار الوطني الحر" و"المردة"، وهو الذي حكم علاقة الحزبين في انتخابات الشمال، على أن يتمسك "المردة" بالتحالف مع الحزب القومي وبتيار "المستقبل" وتحديداً في الكورة ورغرتا، خصوصاً أن المقربين من رئيس الحكومة المكلف يجزمون أن الأخير حريص على مكانة سليمان فرنجية النيابية.
- الإرباك الذي يشغل بال الكتائب حول التموضع السياسي المفترض أن تختاره لخوض الاستحقاق بعدما سيطر التوتر على العلاقة مع "القوات" بشكل خاص والتي كانت "رفيقتها" في الاستحقاق النيابي.
بهذا يصبح السؤال حول طبيعة الشعارات التي ستخوض بها القوى السياسية؟
فقوى 14 آذار فقدت روحيتها بعدما انفخت الدف وتفرق العشاق، ولم يعد بامكان تيار"المستقبل" مثلاً خوض معركة مواجهة بوجه "حزب الله" وهو جالس على طاولته وقد يكون شريكاً لسليمان فرنجية في بعض الأماكن. ولم يعد بامكان حزب "القوات" ان يرفع لواء 14 آذار طالما هو صار شريكا لـ"تيار الوطني الحر" وقد يشكلان لوائح مشتركة. والأهم من ذلك فقد "التيار" حجة الهجوم على تيار"المستقبل" ان لناحية الشكوى من المظلومية السياسية او اتهامه بالفساد.
عملياً، صار المشهد معقداً بعدما انهارت اصطفافات 14 و8 آذار واختلطت اوراق التفاهمات بعضها ببعض... فما هي العدة التي سيستعين بها هؤلاء لإقناع ناخبيهم بخياراتهم؟