أطلق مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي هاني حلمي الحجّار، موقفاً جريئاً طلب فيه البراءة وليس الإدانة - كما هو معهود - لأحد المتهمين بـ"الإنتماء إلى مجموعة مسلّحة بقصد إرتكاب الجنايات على الناس والأموال والقيام بأعمال إرهابيّة"، وهذا الموقف يعدّ من المواقف النادرة التي تتخذها النيابات العامة التي تُعرف بطلبها تشديد العقوبة للمتهم.
وفي التفاصيل أنّ رئيس المحكمة العسكرية العميد حسين عبدالله نادى على المتهم السوري ماهر القاسم، لإستجوابه بالجرم المسند إليه فأوضح الموقوف أنّه خدم خدمة إلزاميّة في الدفاع الجوّي السوري، قبل أن ينتقل في العام 2014 إلى لبنان عبر جرود عرسال (قبل سقوط منطقة يبرود). ومن عرسال إنتقل الشاب إلى منطقة الكولا حيث عمل حمّالاً وراح ينام على الأرصفة تحت الجسر وفي الحدائق العامّة بعدما عجز عن تأمين مأوىً له.
مضت فترة شهرين ونصف الشهر، كان خلالها "قاسم" يحمل بطاقة دخول قاربت على الإنتهاء، ولمّا رغب في تجديدها كي تكون إقامته في البلد المضيف شرعيّة، إنطلق الشاب إلى الأمن العام حاملاً الـ"كارت الأصفر" وبوصوله إلى المركز طلب منه العنصر الأمني إعطاءه رقم هاتفه لمطابقته مع الرقم الذي أعطاه سابقاً، فأخبره "قاسم" أنّ الشريحة بحوزته لكنّه خسر رقمه، لأنّه لم يكن يملك المال الكافي لتعبئته، فتمّ توقيفه ولدى التدقيق في إسمه تبيّن أنّه "نظيفاً" حسبما قال.
يستذكر الموقوف بغصّة كيف قُتل جميع أفراد عائلته المؤلّفة من 6 أشخاص (والداه وأخته وأخواته الثلاث) في القصف المدفعي الذي تعرّض له منزل العائلة في باب عمر بحمص، كان ذلك في العام 2012.
إغرورقت عينا الشاب العشريني بالدموع، وهو يسترجع صورة عودته من الخارج ورؤية ذويه جثثاً هامدة تحت الأنقاض، واضطراره إلى المبيت في المنازل التي هجرها سكانها هرباً من الحرب المدمّرة. لكنّه يؤكّد أنّ هذا الأمر دفعه إلى المشاركة في مظاهرات ضد النظام، والوقوف عند حد التظاهر فقط.
ينفي المُستجوب أن يكون قد إنتمى إلى مجموعة "عرّابة ادريس" أو "خالد بكّور" التابعين للجيش الحرّ، ويشير إلى أنّه تعرّض للتعذيب والضرب بالعصي على رأسه خلال التحقيقات الأوليّة ليقرّ بالإنتماء إلى مجموعات مسلّحة.
لا ينكر "قاسم" انتحاله "صفة" مواطنه سامر عمران الذي يعتبر أنّه هو من وشى بعائلته وأخبر النظام عن تواجد أفرادها في المنزل كي يتم قصفها، ويشير إلى أنّه فتح بإسمه (اسم سامر عمران) حساباً على الفايسبوك ونشر على صفحته دروساً دينيّة "مستفزّة" للنظام السوري كي يعمد على تصفيته أسوة بما حلّ بأسرته. ويجزم بأنّه لم يشارك بمعارك عرسال ولم يرتكب أيّ جرم على الأراضي اللبنانيّة أو السوريّة.
هنا أعطي الكلام لممثل النيابة العامّة القاضي هاني حلمي الحجّار، فأكّد أنّ القرار الظني يتهم الموقوف بالإنتماء إلى تنظيم إرهابيّ في جرود عرسال، فيما يتّضح من كافة الأسئلة الموجّهة إلى المتهم في التحقيقات وأمام المحكمة أنّها تتعلّق بمشاركته بالنزاع في سوريا ولم يتم توجيه أيّ سؤال له عن إنتمائه إلى "داعش" أو "النصرة"، وفيما يتعلّق بتورطه في أحداث داخل لبنان فلم يتوفّر أي دليل على قيامه بأيّ عمل فيه ولا شبهة عليه لهذه الناحية.
ويضيف الحجّار أنّ ما نُسب إلى المتهم في سوريا لا تشمله الصلاحيّة الذاتيّة (التي تجيز محاكمة اللبناني وليس الأجنبي على عمل ارتكبه داخل وخارج الأراضي اللبنانيّة)، وخلص إلى طلب إعلان براءة المتهم لعدم كفاية الدليل على إرتكابه أيّ جرم في لبنان ولعدم اختصاص القضاء اللبناني بمحاكمته على جرم حصل في سوريا.
وقد تبنّى محامي الدفاع مرافعة النيابة العامة وطلب البراءة للمتهم، فيما طلب الأخير الشفقة والرحمة.