تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

على من تقرأ مزاميرك يا جون برينان؟

جمال دملج

|
Lebanon 24
05-01-2017 | 07:44
A-
A+
على من تقرأ مزاميرك يا جون برينان؟<br/>
على من تقرأ مزاميرك يا جون برينان؟<br/> photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يكد مدير وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة جون برينان ينهي مقابلته التلفزيونيّة يوم أمس الأربعاء على شاشة تلفزيون الـ "بي بي سي"، حتّى سارعت وزارة الدفاع الروسيّة إلى الردّ على اتّهاماته بشأن ضلوع موسكو في انتهاج سياسة الأرض المحروقة في سوريا، لافتةً إلى أنّ واشنطن نفسها هي التي تقوم بمثل هذه الأعمال في مختلف دول العالم، ومؤكّدةً على أنّ الغارات التي شنّتها قوّات التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة خلال العامين الماضيين في إطار حربها على الإرهاب، لم تُظهر أيّ جدّيّةٍ في مجال استهداف مواقع تنظيم "داعش" فوق الأراضي السوريّة بقدر ما أدّت إلى تدمير البنى التحتيّة هناك، وذلك بالمقارنة مع ما آلت إليه العمليّات العسكريّة الروسيّة من نتائجَ ميدانيّةٍ حالت دون تفكّك مؤسّسات الدولة السوريّة وانهيارها، وأوشكت على وضع ممثّلي النظام والمعارضة في قطارٍ واحدٍ من المفترض أن يصل بهم إلى محطّة التسوية النهائيّة والحلّ، وفقًا لما هو مقرَّر ضمن أجندة المفاوضات المرتقبة في العاصمة الكازاخيّة أستانا في وقتٍ لاحقٍ من الشهر الحاليّ. التصويب الروسيّ على مواقف برينان ومزاعمه لم يتوقّف عند هذا الحدّ وحسب، بل أعاد إلى الأذهان مشاهدَ وصورًا ظلّت عالقةً في الذاكرة منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية ولغاية الوقت الراهن، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالهجوم النوويّ الذي شنّه الأميركيّون على مدينتيْ هيروشيما وناغازاكي اليابانيّتين، والذي كان قد شكّل أخطر السوابق وأشرسها في مجال انتهاج سياسة الأرض المحروقة على طول خارطة العالم وعرضها، بعدما أودى بحياة أكثر من مئتيْ ألفِ مدنيٍّ يابانيّ. وبحسب المتحدّث باسم وزارة الدفاع الروسيّة إيغور كوناشينكوف، فإنّ نزعة استخدام هذا النوع من السياسات التدميريّة سرعان ما استبدّت بالسلوك العسكريّ الأميركيّ، الأمر الذي يتجلّى بوضوحٍ من خلال قيام الولايات المتّحدة بإلقاء أكثر من مئةِ طنٍّ من الموادّ السامّة أثناء حربها في فييتنام (1962 – 1971)، بما فيها مادّة تحمل اسم "العامل البرتقاليّ"، وكانت تقضي على كلّ أثرٍ للحياة في مناطق استخدامها، ناهيك عمّا جرى لاحقًا في منطقة الخليج العربيّ إثر قيام القوّات الأميركيّة باستخدام اليورانيوم المنضَّد أثناء عمليّة "عاصفة الصحراء" التي أدّت إلى تحرير الكويت من "خطيئة" الغزو العراقيّ في مطلع تسعينيّات القرن الماضي. وفي هذا السياق، أشار كوناشينكوف إلى أنّ أحدًا من القادة العسكريّين الأميركيّين في البنتاغون لم يتحمّل حتّى الآن المسؤوليّة عن هذا النوع من جرائم الحرب، لافتًا إلى أنّ الحروب التي شنّتها وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة خلال العقود الماضية في كلٍّ من يوغسلافيا والعراق وأفغانستان وليبيا لم تسفر إلّا عن تدمير البنى التحتيّة في هذه الدول، وذلك قبل أن يصار إلى منح الشركات الأميركيّة المقرَّبة من دوائر صنع القرار في واشنطن الأفضليّة في مجال الإشراف على مشاريع إعادة إعمار تلك الدول، الأمر الذي ينطبق في الحالة العراقيّة مثلًا على كولن باول أكثر من غيره بكثير، ولا سيّما أنّه كان قد سعى، بصفته وزيرًا للخارجيّة في عهد جورج بوش الابن، إلى الاستثمار في إعادة بناء ما كان هو نفسه قد دمّره، بصفته رئيسًا لهيئة الأركان في عهد جورج بوش الأب.. وممّا لا شكّ فيه هو أنّ هذا الدور الذي لعبه باول، لا بدّ من أن يشكّل التجسيد الأدقّ للمثل القائل: "إذا كنت لا تستحي، فافعل ما شئت". وإذا كان سيل الأمثلة على النماذج والأساليب التي جرت العادة على أن تستخدمها الولايات المتّحدة في إطار السعي إلى جني الأرباح الطائلة على أنقاض الأزمات الدوليّة له أوّل وليس له آخر، فإنّ الصدفة وحدها ذكّرتني للتوّ بواقعةٍ ذاتِ دلالةٍ هامّةٍ في هذا السياق، وعنوانها العريض: "قراصنة البحر الصوماليّون". ففي مثل هذه الأيّام من شهر كانون الثاني عام 2002، وبعدما كانت الأساطيل الحربيّة الأميركيّة قد قطعت شوطًا طويلًا في مجال إحكام سيطرتها على المنافذ البحريّة بين المحيط الهنديّ وباب المندب وخليج عدن، بالتزامن مع إدراج اسم الرئيس الصوماليّ في حينه عبد القاسم صلاد حسن في قائمة الشخصيّات الراعية للإرهاب، بحجّة أنّ أسامة بن لادن طار بقدرةِ قادرٍ من أفغانستان وحطّ في الصومال، وكذلك بالتزامن مع وجودي لأكثر من خمسين يومًا متنقلًا بين مقديشو وهيرجيسا وجيبوتي بصفة موفدٍ لـ "قناة أبو ظبي الفضائيّة"، قدِّر لي أن أكون شاهدَ عيانٍ على حجم التباين ما بين الشعارات التي ترفعها الولايات المتّحدة وما بين الأساليب التي تستخدمها لتحقيق مصالحها، حتّى وإن تمّ ذلك على حساب تلك الشعارات. ما حدث وقتذاك هو أنّ الرئيس صلاد حسن مرّ في جيبوتي لدى عودته إلى بلاده قادمًا من الخرطوم، بعدما كان قد شارك هناك في القمّة الدوريّة لمجموعة "إيغاد"، الأمر الذي مكّنني من التوجّه لإجراء مقابلتي التلفزيونيّة الثانية معه، ولا سيّما أنّ المقابلة الأولى كانت قد أُجريت في مقديشو قبل ذلك بنحو خمسة أسابيع، حيث كان من أبرز ما قاله لي يومها: "إذا كانت الولايات المتّحدة تملك بالفعل معلوماتٍ عن وجود مراكزَ لتنظيم القاعدة فوق الأراضي الصوماليّة، فلماذا تلجأ إلى استخدام لغة التهديد والوعيد ضدّنا، عوضًا عن أن تتعاون معنا، من أجل إخراجهم من البلاد". تساؤلٌ.. وإنْ لم يحُل دون إدراج اسم صلاد حسن لاحقًا في قائمة الشخصيّات الراعية للإرهاب، إلّا أن علامة الاستفهام الكبرى سرعان ما ارتسمت بمجرّد الانتهاء من إجراء المقابلة الثانية، وخصوصًا لدى وصول السفير الأميركيّ دونالد ياماموتو لزيارة الرئيس الصوماليّ في مكان إقامته في قصر الضيافة، بناءً على موعدٍ مسبَق، الأمر الذي تمكّنتُ من توثيقه بالصوت والصورة على أساس التشكيك القائل: "إذا كان صلاد حسن حقًّا من رعاة الإرهاب فكيف يمكن لمسؤولٍ أميركيٍّ أن يقوم بزيارته"؟ تشكيكٌ.. لم يحدث أن بادر الأميركيّون يومًا إلى الحدّ من ارتداداته على سياساتهم الملتوية في مجال الحرب على الإرهاب، ولا سيّما أنّ ما جرى لاحقًا هو أنّ صلاد حسن أذعن للضغوط التي مارسها ياماموتو عليه، وذلك عن طريق سماحه بتنشيط دور جماعة "المحاكم الإسلاميّة" على الساحة الصوماليّة، بما يضمن استمرار وجود المبرّرات اللازمة لبقاء الأساطيل الحربيّة الأميركيّة في تلك المنطقة الاستراتيجيّة الهامّة، وبالتالي، بما لتوفير الأرضيّة المناسِبة لإطلاق ظاهرة قراصنة البحر الصوماليّين. وإذا كانت السفارة الأميركيّة في جيبوتي قد حاولت ممارسة بعض الضغوط عليّ عن طريق السلطات المحلّيّة للحيلولة دون تمكيني من بثّ صور اجتماع ياماموتو – صلاد حسن، بعدما تلقّيتُ اتصالًا هاتفيًّا يحذّرني من مغبّة القيام بذلك، فإنّني نجحتُ في مغادرة الأراضي الجيبوتيّة إلى دولة الإمارات العربيّة المتّحدة في مساء اليوم نفسه بمساعدة بعض الأصدقاء النافذين، تمامًا مثلما نجحتُ في بثّ تقريرٍ مفصّلٍ عن الصفقة الأميركيّة – الصوماليّة قبيل حلول منتصف الليل. على هذا الأساس، وبالعودة إلى المواقف الانتقاديّة التي عبّر عنها مدير الـ "سي آي إي" البارحة بخصوص الدور الروسيّ في سوريا، فإنّ خير ما يمكن أن يأتي من ردٍّ على تلك المواقف، وفي إطار المفيد المختصَر، هو: "على من تقرأ مزاميرك يا جون برينان".. وللحديث تتمّة! (جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك