على رغم حفلة المزايدات التي وصلت إلى آذان اللبنانيين من داخل الجلسة العامة من قبل نواب تناوبوا على لعب أدوار " أبطال السلسلة "، فتارة سمعناهم يقترحون القفز فوق بنود جدول الأعمال إلى حيث بندي السلسلة في نهاية جدول الأعمال، وتقديم البحث بالسلسلة على ما عداها من اقتراحات ومشاريع، بعضها على قدر من الأهمية كإفادة متعاقدي الإدارات من نظام التقاعد، وطوراً سمعناهم ينظّرون مطولاً من على منبر الجلسة بوجوب تمويل السلسلة من جرّاء وقف مزاريب الهدر والنهب والفساد، وليس من جيوب الفقراء، ووصلت بنات أفكارهم إلى حدّ إقرار سلسلة من دون إيرادات ، وعلى رغم كلّ المداخلات المطوّلة التي حوّلت الجلسة المسائية إلى أكثر الجلسات رتابة وملل، ذهب نواب الأمة في المحصّلة إلى التصويت على ضرائب اعترفوا بأنفسهم أنها ستذهب إلى جيوب كلّ المواطنين المصنّفين فئة وسطى وما دون، حتّى أنّ النائب نواف الموسوي قال معلّقاً " لماذا كل هذا النقاش ، فلنأخذ قراراً بشنق المواطن، طالما أنّ كل الإيرادات تصل بالنهاية إلى جيبه ".
قيل الكثير من الكلام من قبل وزير المال علي حسن خليل وغيره عن أنّ مشروع إيرادات سلسلة الرتب والرواتب لن يتضمن ضرائب تطال فقراء القوم وما أكثرهم، وقيل أنّ الإجراءات الضريبية المطروحة لتمويل السلسلة هي على الكماليات، ولكن عند البحث بمناقشة بنود مشروع إيرادات السلسلة تبين أنّ ما قيل لا يعكس الحقيقة إن لم نقل يناقضها تماماً، ففي أربع ساعات أٌقرت خمس مواد ضريبية من مشروع الإيرادات من أصل عشرين مادة ، كل هذه المواد عبارة عن ضرائب مباشرة على المواطن، صوّت عليها المنظّرون أنفسهم الذين أمضوا الساعات الطويلة بمداخلات عن رؤيتهم لتمويل السلسلة من وقف نهب المال العام . أبرز هذه الضرائب وأكثرها جرأة ضريبية إذا صح التعبير ، هي رفع الضريبة على القيمة المضافة أو الـ tva إلى 11%، وطالما أنّ النواب حريصون على عدم تحميل المواطن أعباء سلسلة القطاع العام، لماذا صوتوا بنعم على هذه الزيادة التي ستنعكس زيادات على كل السلع الضرورية وليس الكمالية، وأين ذهبت "مطوّلاتهم" عن رفض إعطاء السلسلة بيد وأخذها باليد الأخرى، من خلال فرض رزمة من الضرائب سيدفعها ليس فقط المواطن الذي تقاضى زيادات من حقه أيّ موظفي القطاع العام، بل كل موظفي القطع الخاص الذين حُرموا منها سيكونوا سواسية أمام دفع الضرائب .
أمّا البنود الضريبة الأربع المتبقية التي أُقرت بدورها لن توفر جيوب المواطنين، وهي فرض رسم على طن الإسمنت بقيمة 6 آلاف ليرة، وفرض رسم على رخص البناء بنسبة 1,5 % عن كل متر مربع باستثناء الأبنية المخصصة للصناعة، وزيادة رسم الطابع المالي، وزيادة رسم الطابع المالي على كل الصكوك .
وبدا واضحاً أنّ نواب الأمة يشرّعون وعينهم على الإنتخابات النيابية، بحيث لن يجرأ معظمهم على البوح بخطورة إقرار السلسلة من دون موازنة تُرسل من الحكومة وتقر في المجلس النيابي ، وبالتوازي مع ضرائب لن توفر فقيراً أو حتّى عاطلاً عن العمل، كي لا يقال أن النائب الفلاني وقف ضدّ إقرار السلسلة .
ولكن النواب يدركون جيداً أن هذه الساعات الطويلة يمضونها في إقرار مواد ضريبية كانوا قد أقرّوها في الهيئة العامة قبل ثلاث سنوات ولم يتبق سوى مادتين 7 و 13 ، إذاً لماذا يعاد النقاش إلى نقطة الصفر؟ ولماذا لم يستكملوا مشروع الإيرادات من حيث توقف في حينه، ويذهبوا بالتالي إلى إقرار هاتين المادتين المتبقيتين؟
وما زاد الطين بلة، طريقة إدارة الجلسة من قبل نائب الرئيس فريد مكاري الذي فتح المجال لكل من أراد الكلام ليستغرق ما شاء من الوقت ، بحيث أن إقرار 5 مواد إستغرق أربع ساعات. بدوره مكاري لم يكن راضياً على طريقة أداء النواب بحيث خرج من الجلسة بعد رفعها ليقول: " يا ليتكم تسألونني عن أداء النواب" .
إذاً المماطلة سيّدة المسرح التشريعي، حتى أنّ مصادر نيابية استبعدت في حديث لـ " لبنان 24 " أن تقر السلسلة في جلسة اليوم الخميس، وأكدت أنّ طرح تجزئة السلسلة لسنتين هو طرح جدي يتفادى العديد من النواب المجاهرة به كي لا يُحمّلوا مسؤوليته، وحده فؤاد السنيورة امتلك جرأة المطالبة به علناً " بكل صراحة ومن أجل توفير عناصر الحماية للإستقرار المالي والنقدي فلنقر السلسلة مجزّأة، ولنذهب في طريق معالجة الإنفاق الإرضائي للأحزاب والمذاهب ومكافحة الرشوة والفساد ... فقبل سنوات أنجزنا سلسلة للقضاة والأساتذة الجامعيين غير متبصّرة، وجدران المجلس تذكر ما قلته في ذلك الوقت، ما أدى إلى فروقات بين العاملين والى مزيد من العجز والترهل في الدولة ".
وبصرف النظر عن مصير سلسلة الرتب والرواتب التي انتظرها العسكريون والمعلمون والإداريون طويلاً، سيستفيق اللبناني على مزيد من الضرائب في قطاعات شتّى، لن تؤدي سوى إلى إفقاره وإضعاف قدرته الشرائية. ولكن لا بأس المهم ألا توصد الأبواب أمام الراغبين الجدد والقدامى من غَرف ما تيسر من مليارات جنّة السلطة، وليذهب الواطن إلى الجحيم طالما سيبقى خانعاً صامتاً، على قاعدة " كما تكونوا يُولّى عليكم "!