أمام مشهد اعلان التوصل الى تفاهمات بين طهران والرياض بشأن ايفاد الحجاج الايرانيين الى موسم حج والعمرة، الثلاثاء الماضي، على لسان رئيس بعثة الحج ممثل قائد الثورة الايرانية "علي قاضي عسكر"، ومشهد تطابق وجهات النظر الأميركية السعودية "بشكل تام حول خطورة التحركات الايرانية التوسعية في المنطقة" على حد تعبير احد مستشاري ولي ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" عقب اللقاء الذي جمع "بن سلمان" بالرئيس الاميركي "دونالد ترامب" الثلاثاء الماضي ايضا، هناك حلقة "مبهمة" غير واضحة حول حقيقة طبيعة السياسات التي تعتمدها الدول تجاه ملفاتها في المنطقة وطريقة التعاطي حيالها، فلا اعلان بالحد ولا اعلان بالود، في حين ان الثابت الوحيد يبقى ملازمة الازمات والصراعات حياة ومستقبل شعوب دولة المنطقة الضعيفة.
لا شك ان عودة الحرارة للعلاقة السعودية ـ الاميركية والتي توجت بلقاء اخير رفيع المستوى وما تخلله من بحث لملفات سياسية واجتماعية واقتصادية وان وصف بانه "نقطة تحول تاريخية في العلاقات بين البلدين"، الا انه في حقيقة الامر ليس سوى مجرد فتح جبهة المنابر لتوجيه رسائل سياسية سقفها "التهديد" فقط وخطها الاحمر اعلان فتح جبهة الميدان فعليا، الامر الاخير غير الوارد في المدى المنظور في مواجهة ايران تحديدا والذي يمكن قراءة مؤشراته من سياسة "التنفيس" تلو "التنفيس" لهذا الاحتقان والضغط الذي تعتمده كل من الرياض وواشنطن بشكل خاص حيث سلاح العصا والجزرة هو أداة هذه المرحلة، ويمكن استشراف ذلك من خلال النقاط التالية :
-استمرار الاستنزاف في الساحة السورية للسنة السادسة على التوالي دون التمكن من اخذ قرار حازم في حسمها اقله بالانقضاض على رأس النظام السوري بشار الاسد، لابل اكثر من ذلك، ترحيل مسألة بقائه من عدمه من مرحلة تفاوض الى مرحلة تفاوض أخرى، بخلاف ما حصده الربيع العربي في دول المنطقة من نتائج ، الامر الذي يشير الى ما هو أبعد من مسألة مساندة الشعوب على تقرير مصيرها الى ما هو مرتبط بالحلقة التي تدور في فلكها سورية وحصانتها الايرانية المدججة بسلاح حزب الله ومقاومته، وما يحمل ذلك من نوايا مبطنة لدى الدول المتحكمة بمصير الدول من عدم وجود قرار جدي بالقضاء على ادوات ايران انطلاقا من الاسد وصولا الى حليفها "حزب الله" مع ما تشكله سورية من شريان حيوي لسلاح االحزب ونفوذ ايران في المنطقة .
- اقرار واشنطن على لسان مسؤوليها بعدم قدرتها على خوض أية حروب حتى 2023.
- حاجة الطرفين الاميركي والايراني للاتفاق النووي نظرا للمكاسب التي انتجها لكلا الطرفين هذا من جهة، ومن جهة اخرى نظرا لارتابط هذا الاتفاق بتفاهمات تتعلق بروسيا والصين والتي لا يمكن معاندتها،هذا عدا عن معارضة الاتحاد الاوروبي لفرض اية عقوبات اخرى على طهران نظرا للمصالح التي تتشابك وثمار هذا الاتفاق.
- دخول الصين من بوابة الوسيط لحل النزاع بين الرياض وطهران، قوبل بترحيب سعودي مذيل بتحفظ "ان ايران حالة مستعصية " على ما يحمل ذلك من بذور لطموح صيني بتعزيز موقعها في المنطقة يسحب البساط من تحت اقدام واشنطن الامر، الذي سيكون مستحباً لا بل مطلوباً لدى طهران.
- تلازم المسارين الاميركي الروسي حول ادارة الحل للازمة السورية والذي توج بنشر المزيد من القوات الاميركية في سورية بما في ذلك من دلالة على عودة تفعيل التنسيق الروسي الاميركي في الميدان.
-امساك ايران بورقة الحدود اللبنانية ـ السورية الحمراء مع فلسطين المحتلة عبر حليفها "حزب الله"، والتي تخولها لعب دور محوري في ضبط ايقاع امن واستقرار هذه الحدود التي باتت تشكل هاجساً لدى العدو الاسرائيلي لاسيما مع انخراط حزب الله في الحرب السورية، الامر الذي دفع بالعدو الاسرائيلي مؤخرا الى ادراة محركاته تجاه روسيا طالباً اخراج ايران وحلفائها من سوريا، سيما وان انباء تحدثت مؤخرا عن موافقة "الاسد" على منح ايران الحق في نصب قاعدة عسكرية – بحرية قريبة من مطار "حميميم" التي تنطلق منه الطائرات الروسية لشن غاراتها على مواقع المسلحين.
اذا هو مشهد يبدو ان لا منتهى له، الا انه من المؤكد ان "التنفيس" فيه حاصل وربما ما حصل في لبنان مؤخرا من انفراح على خط الاستحقاق الرئاسي والحكومي والذي اقرت طهران عبر لسان وزير خارجيتها "محمد جواد ظريف" انه جاء ثمرة "تعاون ايراني- سعودي" هو خير دليل على ذلك ، ولكن ماذا عن مصير استحقاق الانتخابات النيابية في لبنان وهل مسيرته ستكون مشابهة لمسيرة آلام استحقاق رئاسة الجمهورية ؟!
من خلال المعطيات الحاصلة حاليا وورود معلومات عن عدم وجود نية او استعجال لدى بعض القوى السياسية في الافراج عن هذا الاستحقاق، يبدو ان مسيرة آلام اللبنانيين مستمرة وما يحصل اليوم من ردود فعل غاضبة وناقمة على خلفية ملف سلسلة الرتب والرواتب يشير الى نجاح القوى السياسية في زرع الالغام المسيلة للدموع في طريق السعي للتوصل الى قانون انتخاب يمثل طموحات الشعب اللبناني ويضع حدا للتمادي في احتكار اصواتهم، فاسحين المجال من خلال "سلسلة" مميتة امام خلق نوع من الفوضى تكون آيلة لتمهيد الطريق امام بروز الظروف الاستثنائية المانعة لاجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها وبالتالي الذهاب نحو تمديد ثالث.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)