سياسياً، اشتبك الفرقاء في ساحة النجمة، وترنحت التوافقات على وقع الـ "مع" حيناً والـ "ضد" أحياناً‘ فطار النصاب رغم حضور النواب جميعهم، حتى نواب "الكتائب" الذين اتهموا بـ"تطيير" الجلسة ونواب آخرين استنكروا منحى الضريبة إعلامياً، وهي مفارقة غريبة، لترفع الجلسة التشريعية الى موعد غير محدد، وبالتالي، تجميد البت في استكمال اقرار بنود الضرائب الجديدة الـ22 التي ستمول من خلالها سلسلة الرتب والروتب.. "إلى حين"!
في المقابل، شهدت ساحة رياض الصلح تظاهرة شعبية استنكرت بشدة مواجهة المواطن بالمواطن، وتمويل موازنة 2017 من خلال فرض ضرائب جديدة تطال جميع فئات الشعب اللبناني وطبقاته بحسب جميع الخبراء الاقتصاديين وبعض الحزبيين، هذا من جهة، أو التحايل على الناس من خلال استغلال انتفاضتهم لابطال "السلسلة" في ما تبقى بنود ضريبية أُقرت مفروضة، من جهة أخرى، فرُفعت شعارات محقة كان منها: توقيف مرتبات النواب الـ128 ومخصصاتهم ومخصّصات رؤساء الجمهورية والمجلس والحكومة والوزراء، إلغاء رواتب عائلات النواب والوزراء المتوفين والسابقين، استعادة أموال السوق الحرة، ضبط الهدر في وزارة الأشغال والبلديات والمالية، فرض ضريبة على رخص السلاح المنتشر...الخ
لكن لأن الاحلام لا تتحقق في لبنان، وكرمى عين كل من الرئيس سعد الحريري ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، ورئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان وغيرهم من الرؤساء والمعنيين، الذين اعتلوا المنبر، أمس (16 آذار)، متسائلين (ببراءة لا متناهية) عن خطط ومصادر بديلة لتمويل السلسلة، لكل هؤلاء؛ إليكم هذه الخطة "الواقعية" في مفاعيلها على المدى القصير والمتوسط والطويل، بحسب الخبير الاقتصادي غازي وزني، الذي يؤكد أن اجراءان فقط كانا كافيين لانقاذ "السلسلة" بلا فرض ضرائب جديدة".
إذاً، على المدى القصير، أي 2017- 2018، يمكن فرض ضريبة بمعدل 30% على المداخيل الاستثنائية التي حققتها المصارف لعام 2016، والتي تبلغ قيمتها 5 مليار دولار، والتي يمكن ان تعود على الخزينة بمليار ونصف دولار، أي ضعف كلفة تمويل السلسلة (2500 مليار ليرة). هناك أيضاً اجراءات أخرى وافق عليها النواب، مثل الضريبة على الاملاك البحرية وغيرها، التي لم تقر بعد، وقد تصل ايراداتها الى 1200 مليار ليرة، وهي بالتساوي مع كلفة السلسة، دون فرض ضرائب زائدة من دون وجه حق.
ويشير وزني الى أن "هذه العائدات كافية لتمويل سلسلتين وليس فقط سلسلة واحدة على المدى القصير، من دون فرض ضرائب أخرى".
أما على المدى المتوسط (اي منذ 2018 ولمدة سنتين أو ثلاث) فإن الخطة يجب أن تتبدل لان الضريبة على المصارف وتسوية الأملاك البحرية لا يمكن اتمامهما الا مرة واحدة وليس سنوياً، لذا، على الدولة أن تبدأ في تلك المرحلة بعمليات اصلاح في قطاعي الكهرباء والتوظيفات تحديداً، فمثلاً تنظيم بند الرواتب والاجور سيعود على الخزينة بـ 200 مليار. كما من المهم وقف الهدر والتهرب من الضريبة في الجمارك، المرفأ، المناقصات.. وغيرها.
اما على المدى الطويل، فلا بد من سياسة ضرائبية اصلاحية خاصة على صعيد النفقات العامة، وادراج الضريبة الموحدة على المداخيل التي ستعود على المالية العامة بـ(300-400 مليار ليرة)
"إن وقف الهدر ومعالجة الفساد بشكل علمي يؤمن السلسلة ولا يتطلب هذا الكم من الرسوم والضرائب".. موقف واضح أطلقه اليوم رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط، أما جعجع فعلّق تأييد "القوات" لسلسلة الضرائب الى حين تأمين وارداتها، فيما لا يزال الحريري ونائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري مصران عليها من خلال فرض ضرائب باسم التوافق السياسي لكن بانتظار خطط أخرى، أما النائب كنعان فدعا المعترضين الى اقتراح مصادر أخرى وواقعية للواردات وتوفير تغطية السلسلة، ما يعني أن التظاهرات صبت في مكانها الصحيح، ولا بد من استكمالها وصولاً حتى الغاء الضرائب واقرارا السلسلة بحسب خطط تمويل أخرى.
مجدداً، واستكمالاً للمقالة بعنوان "
هكذا سيتضرر "المواطن الفقير" من الضرائب الجديدة.. وأين الـ1200 مليار المتبقية؟" إن ايرادات الضرائب الجديدة، بحسب وزني، ستعد عليهم بإيرادات تبلغ قيمتها 2400 مليار ليرة، فيما كلفة تمويل السلسلة 1200 مليار.. فأين الـ1200 الأخرى؟ الى أين ستذهب؟ إلى أين؟