لماذا حقاً يحدث كلّ هذا؟ مجلس نيّابي يقرّ ضرائب جديدة من أجل تمويل سلسلة الرتب والرواتب المهملة منذ سنوات، فيما هموم الدنيا تعتلي أكتاف اللبنانيين. لماذا حقاً يحدث كلّ هذا، فيما لبنان يحتلّ المراتب الأولى ضمن الدول الأكثر فساداً وهدراً للمال العام؟!
السؤال الأجدى: من المسؤول عن كلّ هذا، أهم حقاً أهل السياسة والحكم، أم الشعب؟!
كثيرةُ هي النظريات الفلسفية والسياسية، الثوابت العلمية أو الدراسات أو تحليلات علمي النفس والاجتماع، التي تحاول الإجابة عن هذا السؤال.
سنحاول بدورنا العثور على تفسير وخلاصة، متوّسلين آلية تتبع مسار الأحداث التي شهدتها الساحة المحلية في الآونة الأخيرة.
يصرّ "قطار" الذاكرة على التوّقف عند أواخر حزيران 2013. آنذاك، وبعشرين دقيقة، مددّ مجلس النواب ولايته 17 شهراً. العذر طبعاً كان حاضراً وجاهزاً كالمعلّبات الغذائية: الوضع الأمني الخطير والنيران المشتعلة من حولنا. خرج نوّاب الأمة مزهويّن فرحين على رغم محاولاتهم البائسة إظهار العكس أمام الكاميرات. أحدهم لم يخجل من إطلاق "مزحة" ثقيلة:" حدا بصحلو يتمددلو أربع سنين بيقبل بسنة ونص؟"!
قضيةٌ، لو حصلت في أقلّ الدول ديمقراطية، لكانت كفيلة بدفع الملايين إلى الشارع، بحيث لا عودة منه إلا بإسقاط التمديد وإجبار "ممثلي الشعب" على إجراء انتخابات نيابية مهما كلّف الأمر. طبعاً، هذا لم يحدث في لبنان. لازم المواطنون منازلهم، وراحوا يخططون للصيف القادم: هل تكون العطلة في الجبل أم على مقربة من شاطئ مسلوب؟!
استمرّت الحياة بشكل "طبيعي". وكذلك الأزمات والمصائب. برلمان عاطل من العمل. موتٌ، كالألغام، موّزع على الخارطة. زحمات سير خانقة، فواتير مُتخمة ومسددوها يتضوّرون جوعاً وكرامة، أمنٌ يتأرجح بين الهشّ والوهم، صفقات ووقاحات وتجاوزات...
استنساخ التاريخ!
كان ذاك التاريخ، نقطة البداية. كان عليه ألا يدخل الرزنامة، لكنه فعل واستنتسخ نفسه ثانية. بتاريخ 5 تشرين الثاني 2015، بثّ النوّاب مرة جديدة الروح في ولايتهم، رغماً عن أنوف الجميع.
كان يُمكن هذه السابقة الخطيرة أن تُجهَض في رحمها. لكن، ما وُلد ابطالٌ حينذاك، ونأى الشعب بنفسه عن لعب أدوار البطولة. الرضوخ مهين، لكنه كان سهلاً بوجود ذاكرة مثقوبة. اغُتصبت حقوق المواطنين، وما تجرأوا على فضح "المغتصب" ولا على محاسبته ولا على زجّه في "سجن" العار.
مخدّر مخدّر هو الشعب. كيف لا يوقف جلاديه عند حدّهم، وقد تمادوا مرة، ومرتين، بل نجحوا في تطويعه وتحميله ذنبا وإثماً؟!
المجلس النيابي هذا، لم يسلب المواطنين حقوقهم في اختيار ممثليهم وحسب، بل عجز عن انتخاب رئيس للجمهورية (رغم اعتبار قسم كبير من اللبنانيين انه غير شرعيّ)، فلازمنا الفراغ الرئاسي أكثر من ثلاث سنوات. ولم يفكّر الشعب بوضع حدّ لهذه المهزلة، لا من خلال ثورة ولا من خلال عصيان مدني ولا حتى عبر رشق المسؤولين بالبيض والبندورة.
كان كلّ حدث بمثابة نتيجة طبيعية لسلفه. احتلّت ليلى عبد اللطيف الشاشات وغمرت الشعب بالتوقعات. لكن كان يصعب على هذا الشعب توّقع تداعيات الأحداث المتلاحقة ونتائج تسهيل مرورها بصمته وخنوعه واستسلامه. وبالتأكيد بسبب ذاكرته المثقوبة، عمداً أو سهواً.
مزبلة للتاريخ!
ثمّ، حلّت كارثة النفايات. مُسّ الشعب بلقمة عيشه التي فاحت منها رائحة العفن، بصحته، ببيئته وبمستقبل أولاده. "عالمفضوح" وبوقاحة تامة، حوّل السياسيون لبنان "مزبلة"، وانصرفوا إلى عقد صفقات وإتمام "مقامرات". وخرج من الشعب من يقول "لا". على الثورة أن تنطلق. على الظلم أن يزول، على الكرامة أن تُستعاد. بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى أن أكوام النفايات كانت تتكدّس منذ لحظة التمديد الأول.
غصّت الشوارع بمواطنين يحلمون بالتغيير. بمواطنين ما عادوا يقبلون بالرضوخ، بل آمنوا بقدرات الشعب على تحقيق دولة القانون والعدل والحقوق والمساواة والمحاسبة.
أتى من يهزّ العصا بوجه الحكام، وقد كانوا منذ ذاك الحزيران في هناء تام. الشعب يخيف متى ثار بسلاح الحق والصوت، وبأجسام عارية. للحظة، بدا لبنان شعباً واحداً متضامناً. كان يمكن أن ينتصر على رغم الحرب التي شنّها السياسيون. كان يمكن أن ينتصر على رغم خراطيم المياه والضرب والسجن والمحاولات الحثيثة لتوسيع الثقوب في الذاكرة، بل حتى تهشيمها كليّاً.
وحدث أن تفرّق الشعب. نجح السياسيون في كبت المشاعر الصادقة العفوية، فقلّب الناس بعضهم على بعض. بدا واضحاً أن ما يفرّق اللبنانيين أكثر مما يجمعهم. إنها معضلة الانتماء والهوية والمواطنة. لكن صدقاً، وللأمانة، ليس مؤكداً أن هذا الشعب اختار عدم الانتماء أولاً وأخيراً إلى الوطن، وإلى الإنسانية. هذا "المتهم" هو ايضاً ضحية. ضحية نظام سياسيّ تحكم فيه الطوائف أكثر من النصوص القانونية، وتقوم فيه الأحزاب على أساس "زعيم" لا برنامجاً انتخابياً...ضحية حرب لم ينته منها وفيها إلا أصوات المدافع والأنين. حتّى انها لم تحصل على جنازة لائقة، بل ظلّت بفعل غياب المصالحة والمصارحة والاعتذار، "زومبي" متربصاً. وهو ضحية قاعدة "فرّق تسد"، وضحية فقر متعمد سلب منه القدرة والنيّة والجرأة على رفع الصوت وتحطيم القيود.
من المسؤول إذاً؟
يقول المنطق إن المسؤولية مشتركة. انها دوّامة مستعصية. لكن مهلاً...أليس الشعب اللبناني هو ذاك الذي يفاخر بوعيه وقدراته؟ أليس هو "طائر الفينيق"؟!
حسناً، كان يجدر به أن يتعلّم. أن يتحسسّ تداعيات كلّ الشوائب والتجاوزات التي حصلت والتي شارك، بصمته وخنوعه، في بقائها. اليوم، تُفرض ضرائب جديدة من قبل نوّاب لم يعطوا الثقة، بل أعطوها لأنفسهم منذ العام 2013. يا الله، أربع سنوات! ولاية مجلس...صورة مغايرة لو حصلت انتخابات. روحٌ جديدة وأحلام متجددة. كلّ هذا ضاع، وكلّ هذا أوصلنا إلى ما نحن عليه، وربما ما سوف نكون عليه لأن هذا المجلس تحديداً لم يأت بقانون انتخابي معاصر يحاكي تطلعات اللبنانيين ويعزز انتماءهم للوطن، ولأنه قد يعمد إلى نسف الانتخابات برّمتها، وقد اعتاد على ذلك من دون أن يعترضه أحد.
لكن الآن، الآن تحديداً، يبدو وجه بيروت أجمل. الناس في الشارع والآمال تعود إلى الحياة. في الاستحقاق البلدي، أٌثبتت إمكانية التغيير. كادت "بيروت مدينتي" تربح على رغم الفوز. هناك أمل، هناك رغبة.
بإمكان الشعب أن يغيّر. انسوا الأحزاب والطوائف والزعماء والأعمال ولقمة العيش. ثمة من يقول "بسيطة، بدها هالقد ع شوية ضريبة؟!" حسناً، نرجو إعادة قراءة التسلسل الزمني للأحداث وتداعياتها. بالأمس تمديد وفراغ واهتراء ونفايات، اليوم ضرائب (مجحفة لأنها لم تترافق مع وقف الهدر والفساد، ولأنها استنسابية وتطال الشعب دون وجه حق)، وغداً...ضريبة على عدم الثورة على فرض الضرائب وكلّ ما سبقه وكلّ ما لحقه!