ما تعرّض له رئيس الحكومة سعد الحريري من رشق بقناني المياه ومن تهجّم عليه من قبل بعض الذين حاولوا حرف تظاهرة يوم الأحد عن مسارها الطبيعي، لم يمرّ مرور الكرام، وهو الذي أراد أن يثبت للفريق الآخر من المتظاهرين أن الحكومة تقف إلى جانبهم وتعمل على تحقيق مطالبهم، وهذا ما لا يعجب البعض،فقابلوه بموجة من الغضب والانفعال، ما حدا بالكتائب والأحرار والإشتراكي إلى الإنسحاب من الشارع، خوفًا من أن تطغى موجة من التطرف الفوضوي وأن يقود المتظاهرين إلى غير وجهتهم الحقيقية، لأن المطلوب أكل عنبٍ وليس قتل الناطور.
وعلى أثر هذه الحادثة غير العادية وفي ظروف غير عادية أيضًا أصدر الرئيس نجيب ميقاتي بيانًا تضامنيًا مع الرئيس الحريري، رافضًا التطاول على مقام رئاسة الحكومة بما ترمز إليه من حيثيات في التركيبة اللبنانية، وبما لرئاسة الحكومة من أهمية في الحفاظ على التوازنات القائمة في البلد، والتي تتطلب وجود قيادات معتدلة في زمن التطرف وفي زمن الإنجرار وراء الغرائز والعصبيات.
وقد كان لبيان الرئيس ميقاتي الأثر الطيّب لدى مختلف القيادات الوطنية، وبالأخص لدى الرئيس الحريري، وهذا ما عبر عنه خلال الغداء الذي دعا اليه رؤساء الحكومات السابقين في منزله والذي كان موعده محددا مسبقا ، والذي سبق رعايته حفل إفتتاح "جائزة عزم طرابلس الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده"، الذي نظمته"جمعية العزم والسعادة الاجتماعية" و"دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية"، وأقيم في قاعة مسجد محمد الأمين في وسط بيروت.
ووفق المؤشرات فإن جو اللقاء في "بيت الوسط" كان ودّيًا، وطرحت فيه أمور وطنية تحتاج إلى قرارات جريئة لا يمكن إتخاذها إذا لم تكن الكلمة موحدة، وكذلك الجهود.
وهذا الجوّ عكسته كلمة الرئيس ميقاتي في الحفل، الذي فاجأ الجميع بما حوته مبادرته على الصعيد الوطني أولًا، وعلى صعيد علاقته بالرئيس الحريري ثانيًا، وهو الذي أكد "أن لا عداوة بيننا وبين أي شريك لنا في الوطن ولن تكون بل إختلاف في المقاربات، ولعل في ذلك فائدة للبنانيين. ولعل اختلاف المقاربات في السياسة أيضًا دون حقدٍ او عداوةٍ او تنازع، هو في مصلحة الديموقراطية ومصلحة اهلنا ولبنان عامة الذي نريده وطن رسالة للعالم أجمع".
وقد حاول الرئيس ميقاتي في كلمته أن يكون شاملًا في مقاربته المسألة الوطنية حين قال "إن تلاقينا، كمّكون لبناني آمن بالعيش الواحد، وناضل من أجل تثبيت عروبة لبنان وتشبث بالمناصفة، هو واجب علينا جميعا. أبدأ بنفسي وبدولتكم (الرئيس الحريري) وبكل الأطراف الوازنة الأخرى التي تلتزم ثوابتنا، بعيدًا عن أي استحقاق آني أو ظرفي".
ورأى بعض المتتبعين للشأن السياسي والوطني أن مواقف الرئيس ميقاتي تؤسس لمرحلة سياسية متطورة، في بعدها المحلي داخل البيت السنّي، وفي بعدها الوطني حين تحدّث عن النضال من أجل التشبث بالمناصفة، بما ترمز إليه من تكريس أسس العيش المشترك بين مختلف مكونات الوطن، بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة في أي إستحقاق آني أو ظرفي.