حتى الأمس القريب، كان الانقسام حول القانون الانتخابي العتيد سيد الموقف، وكانت الأطراف السياسية تتنازع اقتراحات لا يجمع بينها جامع. فجأة هبط الوحي اتفاقاً على مشروع النسبية وفق 15 دائرة. النسبية التي قال كثيرون في ذمها ما لم يقله أحد، هي هي التي باتت خشبة خلاص المطالبين بصحة التمثيل تماماً كما المتطلعين إلى احتكار تمثيل طوائفهم ومذاهبهم.
ما جرى ويجري يعكس بعضاً من مفارقات السياسة اللبنانية؛ قول الشيء وتبني نقيضه، المطالبة بأمر والسير بخلافه، لا يخجل الساسة اللبنانيون من تناقض مواقفهم، ولا يخافون من اي تداعيات لها، لتأكدهم العميق بأنهم قادرون على اقناع جمهورهم بالسير بأي اتجاه يريدونه. الشعب لا يحاسب، لأن دولته قبل ذلك لا تحاسب، يُعبّأ المجتمع إلى حدّ الثوران في تأييد هذا الزعيم أو ذاك، ولا يتحرك مطالباً بحقوقه في الأمن والصحة والتعليم والسكن!
ما كانت النسبية يوماً خياراً مستحسناً لدى أي طرف سياسي. كيف وهي التي تقاذفتها المواقف من أقصى الرفض الى أقصى القبول فالتأييد لتصبح مطلباً جامعاً لا مفر من اللجوء إليه. وفي حال صدقت المؤشرات وأقرّ قانون المطروح، بوصفه يحقق صحة وعدالة التمثيل، تبقى أسئلة ملحة يفترض بمنتجي القانون الاجابة عنها.
القانون، وإن اعتمد أحد اشكال النسبية، إلا أنه صمم على قياس قوى السلطة، وكل النقاشات التي جرت حوله اقتصرت على عدد محدد من الأطراف الرئيسية المشاركة في الحكم، وغيبت قوى سياسية موجودة، كما همّشت قوى المجتمع المدني، وهذا خلل يمس بشمولية الهدف المنشود منه، أي صحة وسلامة وعدالة التمثيل، وكونه قانوناً إصلاحياً حديثاً!
وهل سيكون القانون مقدمة لبحث تطبيق بنود الطائف المتعلقة اللامركزية الإدارية الموسّعة وإلغاء الطائفية السياسية وسواها، أم أن هواجس حقوق المذاهب والطوائف ستمنع من ذلك؟
وبمناسبة الحديث عن اصلاحات، أين "الكوتا" النسائية التي سبق أن تعهّد بها أكثر من طرف سياسي مشارك في عملية التفاوض القائمة، وأين بند تخفيض سنّ الاقتراع إلى 18 سنة وهو علّة العلل في إعطاء النسبية بعدها التمثيلي لناحية إشعار الأجيال الجديدة بدورها في تحديد الخيارات الوطنية، والمشاركة في صنع القرار؟
ما ينطبق على قانون الانتخاب، يسري على الكثير الكثير من الملفات والقضايا والأمور العاجلة والملحة، فالبلادة التي استحالت نهجاً في مقاربة الملفات العامة، جعلت من الاستثناء قاعدة، ومن الشواذ اتجاهاً رئيسياً؛ من الأمن المتفلت والسلاح العشوائي، إلى الخدمات المتردية في كل القطاعات، إلى السمسرات والصفقات والرقابة المنعدمة أو الغائبة، إلى غياب الرؤى والخطط إزاء التحديات والأزمات القائمة. كل ذلك يجعل من الاصلاح وعدالة التمثيل، كما الرقابة والمحاسبة على التقصير والاهمال مطلب.. نادر وصعب.