بالرغم من ذر الكثير من "البهارات" الحارة في المواقف والتصريحات التي تناولت معارك "حزب الله" في جرود عرسال ضد التنظيمات الارهابية، من قبل معظم الاطراف اللبنانية سواء المؤيدة لدخوله فيها أو المعارضة له، إلا أنها لم تستطع ان تخفي حقيقتين أساسيتين كشفتها ادواتها وتوقيت حصولها المتزامن مع مناخ من التغييرات تقف الازمة السورية على ابوابه، بعد مسيرة ست سنوات تقريباُ من النيران المشتعلة. الحقيقة الاولى تجلت في حصر هوى مسامع الاطراف اللبنانية على الموجات التي تدعو الى اعطاء الاولوية للاستقرار وتجنيب البلد اي خضة قد تطيح باهداف الاتجاه الدولي الساعية لحماية الاستقرار في لبنان، والذي لأجله سهلت تمرير الاستحقاق الرئاسي والحكومي ومازالت تسهل متمماتهما وان لم تكن منسجمة مع ما يروق لها. وهذا ما يفسر المنحى الايجابي المؤقت الذي تنحوه القوى المؤثرة في توازنات البلد في مواقفها بالنظر لسلوك ومواقف القوى المعارضة لسياسيتها، حيث ان تأجيل المؤجل في كل ما يجر الى خلاف هو خارطة العمل الحالية لها. اما الحقيقة الثانية، وهي ان هذا الاستقرار ليس سوى هدنة مبطنة يقف فيها لبنان منتظراً دوره في طابور التغييرات التي تنتظره دول المنطقة. ومؤشرات ذلك يمكن قراءتها من خلال التطورات الاخيرة التي يشهدها لبنان عبر اتخاذ القرار بتنظيف جروده من الارهابيين بعد ثلاث سنوات تقريبا من سيطرتهم عليها، ولعب حزب الله دور اساسي في ذلك الى جانب الجيش اللبناني، تزامن ذلك مع تصريحات نارية بحق حزب الله اطلقها الرئيس الاميركي ترامب مؤخرا اثر لقائه رئيس الوزراء سعد الحريري، قابلها الاخير بصمت مترنح مرتبك، لم يخف السيد نصرالله انها ستكون موضع رد غير معروف سقفه وذلك بعد عودة الوفد اللبناني، تسهيلاُ لانجاح الزيارة.
لابل أكثر من ذلك، اسدلت التصريحات الاخيرة الستار على جنوح طرفي النزاع في لبنان في رؤيتهما السياسية التي تحكمها مصالحهما باتجاه بعيد كل البعد عن واقع التركيبة اللبنانية بكل وجوهها، والذي لا يمكن فكفكته واعادة تركيبه بما يتناسب مع فريق دون آخر، وهذا ما بدا واضحا من خلال اطلاق ترامب الرصاص على حزب الله، معتبرا انه يشكل تهديدا للبنان والمنطقة بما فيها أمن اسرائيل، متجاهلا ان رصاصه انما في الحقيقة هو مصوب باتجاه ضيفه الحريري، وذلك في حكومته وتحديدا في نصفها الآذاري "الثامن"، حيث لم يسجل الحريري أي موقف او تحفظ واحد، اقله لناحية الخطر الذي تشكله اسرائيل على لبنان بغض النظر عن موقفه الرافض لسياسة حزب الله. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، اعادة تأكيد السيد نصرالله في خطابه الاخير، على موقع الجيش اللبناني كشريك للمقاومة في الدولة وليس كمدافع اول ورئيسي لحماية الوطن حيث يفترض ان تقف المقاومة الوطنية والاسلامية في موقف المساند والداعم لجهوده انطلاقا من الواجب الوطني على كل مواطن لبناني مهدد امنه وأمن أرضه وسيادتها.
امام هذا المشهد؛ تطرح علامة استفهام كبيرة حول طبيعة التغييرات التي يجري تحضيرها للبنان وكيف سيجري التعامل معها على المستوى الداخلي؟
بالعودة الى القراءات والتحليلات التي تناولت معركة جرود عرسال، أكدت بمعظمها على انها لم تكن لتتم لو لم يكن هناك موافقة دولية وان ضمنية على حصولها وتحديدا اميركية، وان حصلت بسواعد حزب الله، الا ان لا ضير في القضاء على عدوها بسواعد عدو آخر لها، طالما ذلك يحافظ على يديها نظيفتين.
وبالتزامن مع ذلك عادت الاصوات المحذرة من المخاطر التي يشكلها حزب الله على الشعب اللبناني وكان آخرها ما جاء على لسان المندوبة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة، واصفة الحزب بانه "منظمة ارهابية، يستعد لشن حرب في المستقبل وان تكديسه غير المشروع للاسلحة يعرض لبنان لخطر كبير" هذا بالاضافة الى توفر معلومات عن نية أميركية بتحويل نشاطاته الى مجلس الامن الدولى من باب الضغط، الامر الذي يعيد فتح الابواب مجددا امام امكانية الدفع نحو استكمال تنفيذ القرار 1559 الصادر في العام 2004 والذي دعا الى حل جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها وبسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الاراضي وذلك من بوابة حزب الله . أضف الى ذلك الدعم الكبير الذي عبرت عنه واشنطن للجيش اللبناني لاسيما في مكافحة الارهاب ، معيدة الى الاذهان امكانية عودة الحديث عن احياء مسودة اتفاقية عسكرية لبنانية- اميركية مشتركة سابقة تناولت مواضيع عسكرية وأمنية واستراتيجية تلحظ قيام مجموعات مخابراتية اميركية- لبنانية ولجان تنسيق مشتركة ومراكز تدريب جوية وبرية وبحرية. حيث سيكون مقر المركز الجوي في مطار رياق العسكري الذي وفقا لمصادر صحفية مطلعة حطت فيه في شهر نيسان الماضي طائرة اميركية عسكرية محملة بالاسلحة النوعية المتنوعة.
بالطبع كل ذلك يؤشر الى ان التغييرات التي يجري تحضير ادواتها للبنان لن تكون بردا وسلاما على الداخل فيه، ما لم تفتح الطريق امام التفاوض غير المباشر وعبر القنوات الرسمية مع الاطراف المعنية فيه وتحديدا حزب الله، وذلك انطلاقا من الورقة السورية .
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)