ما إن انتهت معركة تحرير الجرود من الإرهابيين حتى اتضحت معالم تفاهم "التيار الوطني الحر" مع كل من "تيار المستقبل" وحزب "القوات اللبنانية". دافع الوزير جبران باسيل في مؤتمره الصحافي بعد اجتماع تكتل التغيير والاصلاح الاسبوعي عما قام به حزب الله وما قدمه من تضحيات، رافضاً تحوير المعادلة وايحاءات البعض أن "داعش" و"النصرة" هما صنيعة "حزب الله"، وداعياً الى المشاركة في الاحتفال الذي يقيمه الحزب يوم الخميس في بعلبك. فند الوزير العوني وقائع الحقبة الماضية فأصابت سهامه النائب وليد جنبلاط ورئيس "القوات" سمير جعحع قائلا "هناك من دافع عن جبهة النصرة ووصفها بحركة ثوار ومثقفين ومهندسين وهناك من وصف داعش بالأكذوبة". وذكّر برفض التيار الوطني الحر التمديد لقائد الجيش السابق في إشارة للعماد جان قهوجي من دون أن يسميه.
قبل كلام باسيل كانت إطلالة رئيس الحكومة سعد الحريري "التويترية"، في تغريدة غمز فيها من قناة التيار البرتقالي قائلاً: "لا أتذكر أن المتحاملين على تمام بيك سلام اليوم، انسحبوا من حكومته يومها احتجاجا على ما يزعمونه الآن". وأضاف: "تمام سلام أعلى من أن تصيبه سهام المتحاملين. كنا إلى جانبه وسنبقى... "ولحد هون وبس".
هذه التغريدة أتت بعد أن شاركت مواقع التواصل الاجتماعي المناصرة للتيار الوطني الحر بالحملة على الرئيس سلام وتحميله مسؤولية استشهاد العسكريين.
رغم كل ذلك، يؤكد مصدر وزاري لـ "لبنان 24" أن "التسوية السياسية الكبرى التي أنتجت رئيسا ميثاقياً أعاد الدور المفروض، وحكومة استعادة الثقة من مكونات البلد الأساسية، وقانون انتخاب وفق نظام الاقتراع النسبي يمثل الخطوة الأولى على طريق القانون المحرر من القيد الطائفي في دولة المواطنة المرجوة، وإسقاط إعلان بعبدا في ما هو تحد وانقسام وشرذمة ونأي بالنفس عن معالجة الأزمات الوطنية وليس نزاعات الاقليم. هذه التسوية أثبتت صمودها بفعل أنها داخلية المنشأ وإن أتت بغطاء إقليمي ودولي شامل لا يزال يظللها تحت عناوين الاستقرار وعدم إدخال لبنان في دوامة أي عنف مسلح من قبل "الخريف العربي"، لا سيما أن هذا "الخريف" بدأ اليوم ينحسر تدريجياً لمصلحة استعادة الدول قرارها السيادي على أراضيها بحدودها المعترف بها دولياً، كما هو حاصل في سورية والعراق وعلى ما أشرت إليه المعركة العسكرية الأخيرة في جرود تخوم لبنان الشرقية. ويبقى اليمن.. لكن ارتداداته لا تطال لبنان إلا قليلاً وهي قابلة للاحتواء".
انطلاقاً من هذه المعطيات يملك كل طرف في البلد، وفق المصدر الوزاري نفسه، هامش ترف إطلاق مواقف من دون أن يتهدد الأمن والاستقرار الداخلي الأمني – السياسي- الاقتصادي، ما يجعل من هذه الحكومة حتى استحقاق الانتخابات النيابية في أيار 2018 عصية على الاهتزاز. هذا الهامش من الترف والاستيعاب يسمح بتجاوز ما كان يمكن أن يشكل أزمة حكومية في أزمنة غابرة أي قيام بعض الوزراء بزيارة رسمية إلى سورية. هذا الترف الاستيعابي ينسحب على موقف الرئيس الحريري الأخير دفاعاً عن الرئيس سلام وحكومته وخياراتها وقراراتها، ولا يذهب إلى أبعد من ذلك، أي إلى إعادة إحياء الخلاف الجذري الذي حصل ذلك الحين بين من راهن على عرسال للضغط على سورية، ومن طالب الجيش حينها بحسم المعركة وتحرير العسكريين المخطوفين.
أكد باسيل أن "هناك مشروعاً سقط بعد انتصار الجيش على أعتى المنظمات الإرهابية. فدعوا لبنان يحول انتصاره إلى مزيد من القوة بالالتفاف حول عناصر هذه القوة، وأولها الرئيس القادر على صناعة النصر وحمايته والجيش القادر على تنفيذ القرار السيادي اللبناني الحر، بدل أن تحولوا الانتصار إلى هزيمة لنسج روايات مختلقة حول تهريب، وحتى تواطؤ، بعض المسؤولين وحتى الجيش، إرهابيين، وعوض تحويل الانتصار الى هزيمة، وأن نجعل المناسبة مزيدا من السجال والتشرذم حول أجناس الارهاب يجب أن نجمع على أن الارهاب هو نجس ولا دفاع عنه". وقال الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله: "نحن أمام نصر عظيم جداً وكبير جداً واليوم نتحدث عن تحرير كامل للأراضي اللبنانية وهذه المعركة تأتي استكمالاً للحرب مع العدو الإسرائيلي ولا تقل أهمية عن تحرير 25 أيار 2000".
بناء على ما تقدم، يؤكد المصدر الوزاري نفسه أن "تصريح رئيس التيار الوطني الحر يعني شيئاً واحدا. الانتصار لن ينال منه أحد، وعلى اللبنانيين أن يجتمعوا عليه يوحدوا روافد قوتهم بنتيجة الانجازات التي تحققت في الميدان".
أما العسكريون الشهداء الذين غدر بهم الإرهاب بعد الأسر والخطف فسوف تتولى الدولة اللبنانية بمختلف سلطاتها وأجهزتها كما الشعب اللبناني إجراء المساءلة والمحاسبة في شأن هذا العمل الارهابي الاجرامي، يؤكد المصدر الوزاري نفسه.
في السياسة كلام كثير يقال وسوف يقال، إلا أن مشروع الدولة اليوم هو أقوى من كل كلام. فسيّد العهد، كما يسميه المصدر الوزاري، حريص قبل أي شيء آخر على إنهاض مشروع الدولة من كبوته وممارسة صلاحياته الرئاسية وفق اتفاق الطائف إلى أقصى الحدود على ما أثبت الماضي القريب.