لم تنتهِ جولة رئيس "التيار الازرق" بعد في الشمال، والتي كان مقرراً لها أن تكون ثلاثة أيام فقط، الا ان الرئيس سعد الحريري وجد في "التمديد" أملاً لإخراج "المشهد الأخير" من جولته بصورة أفضل. "تيار المستقبل" الذي لم يفلح خلال الأيام الثلاث الماضية في استرجاع قواعده الشعبية واستعادة الثقة بينه وبين جماهيره السابقة، لم يزل يحاول جاهدا ان يستر تراجع الحشود الشعبية وأن يخفي امتعاضه من الفشل في إعادة الإمساك بزمام الأمور السياسية، لا سيما في طرابلس.
آلاف الرسائل النصية تلقّاها الطرابلسيون في دعوة للاحتفال بمشروع "طرابلس- مول" والذي كان سيتم برعاية وحضور الرئيس سعد الحريري، ولكن يبدو أن "المستقبل" الذي اعتاد ان ينثر الوعود لمشاريع انمائية دون تنفيذها، والتي كانت دوما بمثابة "إبرة مورفين" لامتصاص غضب الشارع من اهمال الدولة المتعمّد لهذه المدينة وتهميشها على مدار سنوات، خاب هذه المرة في وضع حجر اساس، والحائط الذي كُتب عليه "طرابلس مول"، بجانب مسجد السلام، تمّ تغطيته بالابيض قبل وصول الحريري الى طرابلس علّه إن حُجب عن أعين المارة ينقذ "التيار" من هذه الورطة.
وقد كان لافتاً أن خطاب الرئيس الحريري في طرابلس بدا خالياً من الوعود، وكأنه بات يدرك الحدّ الذي وجب أن يقف عنده، إذ لمّحت أوساط مطّلعة أن التحالف بين "المستقبل" و"الوطني الحر" يحدّ من صلاحيات الحريري في تنفيذ المشاريع للشمال، وأن "جدول الخدمات" المتّفق عليه سابقا يمنح الحصة الاكبر "للتيار العوني" الذي يُحكم قبضته على السّلطة مقابل الإبقاء على الحريري في رئاسة الحكومة، وكذلك فإن ضمور حجم المغالاة في اطلاق عبارات التخوين من شأنه أن يثبت أن "السقف العالي" في الخطاب السياسي لم يعُد يُجدي نفعا مع الطرابلسيين الذين بات الإنماء يشكّل لهم حاجة ملحّة في ظلّ الحرمان الذي يضرب هشاشة الأمان لديهم.
أمّا أجواء الرئيس نجيب ميقاتي، فتبدي ارتياحا كبيرا تجاه قاعدته الشعبية، ميقاتي الذي دأب خلال سنوات مضت على الحفاظ على تلك الشعبية، التي ما تلبث تزداد يوما بعد يوم، من خلال الخدمات الواسعة التي قدّمها لأبناء الشمال، لم يتوقف ابدا عن مدّ يد العون رغم الظروف القاسية التي ألمّت بمدينة طرابلس حين أغلقت الدولة أبواب الدعم بوجه الطرابلسيين الذين وجدوا في ميقاتي آنذاك بديلا لها، والتحضيرات للمهرجان الانتخابي للائحة ميقاتي الذي سيقام غدا في الهواء الطلق في منطقة "المعرض" ما هي سوى صورة واضحة تعكس توجهات الشارع الطرابلسي ودليل على ثقة ميقاتي بالتأييد الشعبي الغفير.
يعود الرئيس الحريري من الشمال بـ"سلّة فاضية"، إذ لم يسجّل له خلال زياراته سوى محطات استعراضية لصور "السيلفي" واستجرار عواطف اللبنانيين، الحريري الذي زار طرابلس لجسّ النبض في شارعه "الازرق" بات يدرك جيدا أن تياره مأزوم شعبياً وأن بوصلة الشمال قد "عزمت" على استبدال خياراتها. ومع اقتراب السادس من ايار حيث ستُخاض معركة "إثبات الزعامة"، تبقى المطالب التي حملها الناس الى الحريري "حبر على ورق" الى حين استعادة "قرار الشمال" من جديد.