19 جلسة في حوالى 9 اشهر، جمعت "حزب الله" و"تيار المستقبل" على مائدة حوار، "رتّبها وهندسها" ورعاها الرئيس نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية...و"العداد" مستمرّ! حين انطلق هذا الحوار، بعد قطيعة دامت سنوات، تقرر ان يتناول جدول الاعمال مواضيع اساسية حُصرت بتنفيس الاحتقان المذهبي، مواجهة الإرهاب، العمل الحكومي، قانون الانتخابات النيابية، وطبعاً الملفّ الرئاسي. وأزيلت آنذاك "المطبات" التي من شأنها عرقلة السير على طريق الحلول، فتمّ الاتفاق على تحييد النقاش عن سلاح حزب الله ومشاركته في الحرب السورية.
فهل أفضت موائد عين التينة الى نتائج وحلول احدثت تغييرات ملموسة شعر بها اللبنانيون؟ وهل اثرت في الملفات السياسية العالقة؟
الاكيد ان الاجابة على هذين السؤالين لا يمكن ان تستقى من البيانات الموزعة عقب انتهاء كل جلسة. يكفي استرجاعها لاثبات ان لا "ارانب" سحرية ظهرت. ولا تحوّلات بـ 180 درجة. لا مولودات يتحسسها المواطن ويحوّلها الى "حديث الساعة".
الى كانون الاول من العام 2014 نعود. انها الجلسة الاولى. الزخم كبير، وكذلك التعويل. يحضر الرئيس بري شخصياً ويعرض للمخاطر المحدقة بلبنان وينفخ في "صفارة" الانطلاق. يؤكد الطرفان "استعدادهما البدء بحوار جاد ومسؤول حول مختلف القضايا بما يخدم تخفيف الاحتقان والتشنج"، ويشددونن على تفعيل عمل المؤسسات.
في الجلسة الثانية أعلن المجتمعون ان نقاشهم افضى الى تقدم جدّي في تنفيس الاحتقان. وتقرر استكمال تنفيذ الخطة الأمنية على كل الأراضي اللبنانية.
في الثالثة والرابعة، واظب المجتمعون على تبادل التهاني بانعكاسات حوارهم الايجابية. وفي الجلسة الخامسة "استكمل الطرفان النقاش حول عدد من النقاط بصراحة ومسؤولية"، مرحبين بازالة الصور في بيروت. هذا انجازٌ ملموس! وقد نبهوا في هذه الجلسة الى مخاطر إطلاق النار في المناسبات، وذكروا بها في الجلسة السادسة التي تطرقت ايضاً الى ضرورة وضع استراتيجية لمكافحة الارهاب.
في الحوار السابع، جاء البيان مقتضباً: "استكمل النقاش وسجل تقدم جدي في الملفات الامنية والسياسية". ولذلك، ارتأى الطرفان اعادة "الزخم والاندفاع اللذين سادا الجلسة الاولى"، مؤكدين جدية الحوار ومذكرين باستمراره، في الجلسة الثامنة والتاسعة.
في العاشرة، ناقش الحضرات "قضايا اخرى تهم اللبنانيين وبعض المسائل المرتبطة بملف النازحين"، واستكمل النقاش في "الملفات المفتوحة" في الحادية عشرة.
واراد المجتمعون تعميم "مسلسلهم" على بقية الاحزاب، فشجعوا على "متابعة الحوارات المفتوحة بين مختلف الاطراف" في الثانية عشرة. اما بيان الرقم 13، فقد تضمن العبارة التالية:" ايجاد المناخات الملائمة لعمل المؤسسات الدستورية".
الجلسة الرابعة عشرة مميزة. ها هو الرئيس بري مجدداً ينضمّ الى المتحاورين، وكانت مائدة افطار. وقد اعتبر آنذاك ان " هذا الحوار هو اللقاء الوحيد اليوم في العالم العربي في مواجهة الفتنة المستعرة في اكثر من منطقة". طبعاً، جدد المجتمعون التزامهم باستمرار هذا المسار.
وفي احدى ليالي الانس في تموز، سهر المجتمعون حتى الاولى فجراً، وناقشوا التطورات السياسية والامنية وعمل المؤسسات الدستورية والخطوات الواجب اتخاذها بهذا الخصوص". وطبعاً تعزيز الحوار!
وفي الجلسة التالية (رقم 16) ناقشوا "عددا من الملفات الحياتية التي تهم المواطنين". وفي ظلّ تظاهرات الحراك المدني، لم ينقطع الطرفان عن التواصل، "فشرّحوا" على الطاولة مجريات الايام الملتهبة وقالوا: "نحن مع حرية التعبير والتظاهر السلمي...وايضاً مع مؤسسات الدولة وحفظ الامن والاملاك العامة".
أما في الثامنة عشرة، فأثنوا على دعوة الرئيس بري لانعقاد طاولة الحوار الوطني. الله يزيد الخير! وفي الجلسة التي عقدت مؤخراً، اي التاسعة عشرة، فقد اعاد المجتمعون التأكيد على اهمية الحوار وضرورة تفعيل عمل المؤسسات الدستورية!
لعلّ هذا الاستعراض البسيط لمقررات جلسات الحوار بين الثنائي حزب الله-المستقبل، يقودنا الى خلاصة مفادها ان الشكل اهمّ من المضمون، في هذه الحال. فنقاشات الطرفين لم "تُخرج الزير من البير"، غير انها استطاعت ان تقصّ اظافر الفتنة المستعدة في اي لحظة من هذا الزمن المشتعل على الانقضاض على شارعيهما. فهل من ينسى ان السيد حسن نصرالله والرئيس سعد الحريري تبادلا، في اكثر من مرّة، المواقف النارية والاتهامات على خلفية اكثر من قضية، دون ان يمسّ ذلك بهدوء الشارع؟!
وواضحٌ ايضاً ان هذا الحوار "مبارك" من الداخل والخارج، اقلّه راهناً، حتى بالمضامين المعلنة التي يخرج بها. اما تلك غير المترجمة ببيان، فيمكن تلمسها في استمرار الحكومة المتهالكة وفي تعاطي اعضاء الفريقين مع بعضهما، والا لكان تقاذف زجاجات المياه والكراسي غير محصور فقط بالازرق-البرتقاليّ!
كلّ ذلك يُسجلّ، في وقت لا تزال شباك مرمى الملف الرئاسي جامدة، لا تهتزّ!.
(خاص "لبنان 24")