كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: الكذاب بحاجة إلى ذاكرة قوية...
الكذب من الصفات الذميمة، وهو مرض من هذه الأمراض التي تشوه النفس. والإنسان خلال دورة حياته يتعرض لأنواع من الكذب، ويلتقي في طريقه أنواعاً من الكذابين، الذين يسقطون عليه كذبهم بشكل يثير الأعصاب، ولكن مع ذلك ورغم ذلك، فإنه بالتالي ينتفع من مخالطة هذا النوع من الكذابين بحيث يزداد خبرة في خبايا النفس البشرية.. إلا أن كل هذا لا يجعل الكذب أمراً يمكن التسامح فيه، أو التجاوز عنه.. وقد عالج كثير من الفلاسفة والكتاب موضوع الكذب، وتعمقوا فيه، وسبروا أغواره، وتبين لهم كما قال الكاتب الأميركي الساخر "مارك توين": إن الكذب يستطيع أن يقطع نصف العالم بسرعة في حين تكون الحقيقة ما زالت تربط حذاءيها لتسير بهما..
أما "غلاس مالوك" فقد قال: "إن أكبر الكذابين في الدنيا يبدأ كذبته بكلمة يقولون "إن"..
وهناك مثل عربـي يقول: "إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً"..
وقال الفيلسوف كونتيليا في القرن الأول بعد الميلاد "إن الكذاب في حاجة إلى ذاكرة قوية".
وقد عالج كثير من المفكرين الأسباب الحقيقية، والعوامل الدفينة التي تدفع الإنسان لأن يكون عرضة لجرثومة الكذب، فتبين أن الأنانية هي التي تشجع الإنسان على اصطناع الكذب.. كما أن عدم الثقة بالنفس يدفع بصاحبه إلى الكذب ليحصل على ما لا حق له فيه من منافع معنوية ومادية..
قال أدولف هتلر يوماً: إن المنتصر لا يسأل عما إذا كان قد قال الحقيقة.. ومثل هذا يحدث في الكذب والغش العاطفيين.
ومع ذلك فالكذب كمرض نفسي له ظواهر كثيرة يعرف بها. قال "إيرك هوفر" الكاتب المعروف: إننا نكذب بأعلى صوت ممكن عندما نكذب على أنفسنا.. وقال "روبرت استفينسون": "إن أذكى وأقصى بل وأقسى أنواع الكذب، هو الكذب الذي يقال في هدوء وصمت.. وقال الفيلسوف الساخر "جيروم جيروم" ساخراً: إن قول الحقيقة هو دائماً أحسن سياسة إلا إذا كنت كاذباً ناجحاً بصورة استثنائية جداً.
ومن المعلوم أن التعاليم الدينية والأخلاقية قد نهت عن الكذب.. وأن من يكذب على الآخرين يستطيع أن يكذب على نفسه.. وهو في الواقع إنسان ناقص الإيمان، فاقد للتربية الدينية والأخلاقية.. إن أبجدية الأخلاق.. هي دائماً السير على هذه الحقيقة، وليس باستغلال هذه الحقيقة، لأغراض غير شرعية وغير شريفة. إن التعود على الصدق، وعلى تجنب الكذب يبدأ في قرارة النفس أولاً.
قال توماس جيفرسون: إن من يسمح لنفسه بقول الكذب يجد نفسه وهو يستسهل ذلك مرة وثانية وثالثة حتى يصبح الكذب عادة لديه.. وأذكر أن أحد السياسيين الكبار قال حول هذا الموضوع، وهو يترجم هذه الحقيقة إلى لغة السياسة المعاصرة قال: إن جميع الأحزاب السياسية تموت في نهاية الأمر وهي مختنقة بالأكاذيب التي نشرتها، وأعلنت عنها، أو تكلمت بها.. وقد قال أحدهم: إن حبل الكذب قصير.. وأنك تستطيع أن تكذب على بعض الناس بعض الوقت، ولكن لا تستطيع أن تكذب على كل الناس كل الوقت..
إن الحديث عن الكذب حديث ذو شؤون وشجون، ومع ذلك.. فإن فلسفة الكذب فلسفة عميقة، تتسرب في حياة الإنسان الاجتماعية، وتدخل في صميم علاقاته مع الآخرين.. وقد كان أحدهم قريباً من الواقع عندما أشار إلى الكذب قائلاً: ليس هناك في الدنيا إنسان لا يكذب.. أو لا يضطر أحياناً إلى الكذب.. ولطالما هو كذلك.. فلنكذب كذبة بيضاء لا تضر ولا تؤذي.. المطلوب كذبة بيضاء.. وبيضاء فحسب..
أما الكذب الذي يؤذي فهو الكذب الذي حاربته التعاليم الدينية، ونددت به القيم الأخلاقية فرأس الكذب المؤذي سيظل مطلوباً حياً أو ميتاً.