قد تبدو أول شعرة بيضاء علامة بسيطة، لكنها بالنسبة لكثيرين تمثل تذكيرًا واضحًا بمرور الوقت والتغيرات التي يمر بها الجسم. ومع تزايد الاهتمام بمفهوم «إطالة الشباب» في قطاع التجميل، بدأت تظهر سيرومات ومنتجات للشعر تدّعي قدرتها على تأخير الشيب أو الحفاظ على لون الشعر، بل واستعادة لونه الأصلي.
لكن الخبراء يحذرون من المبالغة في هذه الوعود، مؤكدين أن جعل الشعر يبدو أكثر شبابًا لا يعني بالضرورة إبطاء الشيخوخة البيولوجية أو تحسين الصحة العامة.
لماذا يتحول الشعر إلى اللون الرمادي؟
يبدأ لون الشعر داخل بصيلة الشعر، حيث تنتج خلايا متخصصة تُعرف باسم الخلايا الصباغية «الميلانين»، المسؤول عن منح الشعر لونه. وتدعم هذه العملية خلايا جذعية تساعد على تجديد الخلايا المنتجة للصبغة.
ومع التقدم في العمر، قد تتراجع أعداد هذه الخلايا الجذعية أو نشاطها، ما يؤدي إلى انخفاض كمية الصبغة التي تصل إلى الشعر الجديد، فيتحول تدريجيًا إلى الرمادي أو الأبيض.
وتلعب العوامل الوراثية الدور الأكبر في تحديد توقيت ظهور الشيب، إلى جانب عوامل أخرى مثل التقدم في العمر والإجهاد التأكسدي والتغيرات التي تحدث داخل بصيلات الشعر.
هل يمكن استعادة لون الشعر؟
يرى الخبراء أن الإجابة ليست «لا» بشكل مطلق، إذ أظهرت أبحاث أن بعض الشعرات الفردية يمكن أن تفقد لونها ثم تستعيد جزءًا منه في ظروف معينة. كما رُصدت تغيرات في التصبغ بالتزامن مع فترات ارتفاع أو انخفاض مستويات الضغط النفسي.
لكن هذه النتائج لا تعني أن تقليل التوتر يمكن أن يعيد لون الشعر بشكل مضمون، ولا تثبت إمكانية عكس الشيب المتقدم بصورة موثوقة.
ويشير الباحثون إلى أن استعادة التصبغ قد تكون أكثر احتمالًا في المراحل المبكرة من الشيب، بينما تصبح العملية أكثر صعوبة بعد استنزاف الخلايا المنتجة للصبغة على مدى سنوات طويلة.
سيرومات جديدة تحت الاختبار
تجري حاليًا دراسة مادة تجريبية تُعرف باسم CS-001 ضمن تجربة سريرية من المرحلة الثالثة، بهدف معرفة ما إذا كان العلاج الموضعي قادرًا على التأثير في تخزين الميلانين ونقله داخل بصيلات الشعر.
ومع ذلك، لا تزال النتائج النهائية لهذه المرحلة غير منشورة، ولذلك لا يمكن اعتبار المادة علاجًا مثبتًا لاستعادة لون الشعر في الوقت الحالي.
ويؤكد الخبراء أن غالبية السيرومات المتوفرة تجاريًا لم تقدم حتى الآن أدلة بشرية قوية تثبت قدرتها على إعادة الشعر الرمادي إلى لونه الأصلي.
يحذر المختصون من أن بعض المنتجات تعتمد على نتائج مخبرية أو مكونات أظهرت تأثيرًا على إنتاج الميلانين في الخلايا، دون أن يكون قد ثبت أنها تصل إلى بصيلة الشعر لدى الإنسان بالتركيز اللازم وتحقق النتيجة نفسها.
ويُفضل أن تستند الادعاءات إلى تجارب سريرية على المنتج نفسه، وأن تتضمن مجموعة مقارنة أو علاجًا وهميًا وقياسات موضوعية للنتائج.
كما يمكن ملاحظة عودة التصبغ الحقيقية عند جذور الشعر الجديد، وليس مجرد تغير مؤقت في لون ساق الشعرة الموجودة.
عوامل لا يستطيع السيروم حلها
الشيب ليس مرضًا بحد ذاته، بل نتيجة ظاهرة لعملية بيولوجية معقدة. وإلى جانب الوراثة والعمر، ارتبط ظهوره المبكر بعوامل مثل التدخين والالتهابات وبعض الاضطرابات الغذائية أو الهرمونية، رغم أن وجود ارتباط لا يعني بالضرورة أن أحد هذه العوامل هو السبب المباشر.
وفي حال ظهور الشيب في سن مبكرة جدًا أو بشكل سريع، خصوصًا إذا ترافق مع التعب أو تساقط الشعر أو تغيرات غير مبررة في الوزن، فقد يقيّم الطبيب التاريخ العائلي والنظام الغذائي والأدوية، وقد يبحث في أسباب مرتبطة بالغدة الدرقية أو نقص بعض العناصر الغذائية.
أما التوتر، فيُعتقد أنه قد يؤثر في عملية ظهور الشيب، لكنه لا يعني أن خفض مستويات التوتر سيعيد لون الشعر تلقائيًا.
في الوقت الذي لا تزال فيه علاجات استعادة لون الشعر قيد البحث، يمكن التعامل مع الشيب من خلال منتجات العناية التي تحسن ترطيب الشعر ولمعانه وصحة فروة الرأس.
كما توفر تقنيات مثل دمج الشيب خيارًا وسطًا لمن لا يرغب في ترك الشعر الأبيض بالكامل أو اللجوء إلى الصبغات الدائمة، من خلال استخدام خصلات دقيقة وألوان شبه دائمة لتقليل التباين بين الشعر المصبوغ والشعر الفضي.
وفي النهاية، يؤكد الخبراء أن التعامل مع الشيب يظل خيارًا شخصيًا، سواء عبر تركه طبيعيًا أو تغطيته أو تجربة منتجات العناية. لكن الأهم هو التمييز بين ما تدعمه الأدلة العلمية فعلًا وما تقدمه صناعة التجميل على أنه وعود لم تثبت بعد.