تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

عيد الأم في وجهه اللئيم

ربيكا سليمان

|
Lebanon 24
21-03-2017 | 05:12
A-
A+
عيد الأم في وجهه اللئيم
عيد الأم في وجهه اللئيم photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
تشعر بالخجل منهم. تشعر بالذنب، بالضعف وبالوهن. مربوطاً يبدو لسانك، يا ليته يفعلها ويعتذر. هذا كلّ ما تريده في هذه اللحظات: أن تتقدّم بالاعتذار من كلّ شخص رحلت أمّه عن هذه الدنيا، وكأنك القاتل الذي قتل عن طريق الخطأ، وكأنه المقتول الذي ما زال حيّاً... تجادل ذاتك المشدودة بين وترين متناقضين: وترٌ يحضّك على الاحتفال بالعيد بكلّ ما على هذه الأرض من سعادة وامتنان: فلتذهب وتطبع على جبين أمّك قبلة وتقطعان قالب حلوى "بالفريز". ووترٌ آخر يأخذك لعند من يضع على القلب، مُرغماً، كمامات: فلتذهب وتقف أمام يتيم فتُكثر من الصمت...والخجل. سوف تنتصر للوتر الأول. أمّك هنا، ستغفو في حضنها وترددّ على مسمعها قصائد حفظتها ولداً صغيراً يخاف المسرح إلا في حضرتها. وسوف تجنّد البساتين والشمس للاحتفال بها، ومن فرط سعادتك بوجودها في حياتك، تصاب أكثر من مرّة بنوبات كآبة ينتجها الخوف الشديد من فقدانها في لحظة سرمدية...فتسارع إلى صلواتك محاولاً إعادة صوغها وترتيب الأولويات، فتكتشف أن لا حاجة لك في ذلك. هي دائماً في الطليعة: يا الله، احفظ لي أمي... وسوف تنتصر للوتر الأول لأنك لست قادراً على التحديق في عين الوجع. والوجع هذا مارد لا يُهزم ولا يستكين، وكلّما أراد حامله تقليص حجمه، راح يتوّرم إلى حدّ تمزيق أروقة الفضاء الفسيح. ولأنك لن تجرؤ على وضع حرفي الألف والميم في جملة يسكنها الموت، رغم انتحار الأبجدية منذ أن ولدت كلمة "أمّ". ولأن هذا الألم الذي يكوي قلوب كثيرين، ممنوعٌ من الصرف، بالأحرى، غير قابل للترجمة بكلّ لغات الأرض. ولأنك ترتعب من أن تصبح "مثلهم". و"هم" رأيتهم في حياتك في كلّ الأماكن وكلّ الأوقات. في المدرسة، لم تكن تفهم تماماً لماذا، قبيل أسبوع الربيع، يصبح صديقك فائق الحركة والضجيج والحزن. ثمّ تراه في الحادي والعشرين من آذار عائداً إلى منزله فارغ اليدين، بخلاف رفاقه الحاملين باقة ورد وحبّ. ثمّ تصادف لحظات أكثر صعوبة وأنت تكبر وتزداد تعلّقاً بتلك الحلوة أمّك، حين يعرض عليك ابن الجيران مساعدتك في كتابة نصّ صغير تقدّمه هدية لها في عيد ميلادها. سرعان ما تكتشف انه عبثاً يفلح في الحديث عن والدتك أنت، صاحبة العيد، رغم وصفه عينيها ولون شعرها. ومع هذا، فإنك لا تمانع، بل تسترق نسخة من النصّ الصغير وتضعها بالسرّ على قبر والدته. وتصادفك هذه الآلام كلّ عام. ويتفاقم شعورك بالذنب وبالخجل. ويتعاظم تعلّقك بأمك التي صارت محور سعادتك وأمانك، كما كانت. أما وقد بلغت فصار بإمكانك خوض سجالات "فلسفية" مع الذات، فإنك تسأل: أيهما أسهل: أن يدفن ولد أمه أو أن تدفن امّ ابنها؟! ويصيب دماغك شلل يحول دون إرشادك إلى الإجابة "الأمثل"، بخاصة وأن الأغنية في خلفية أنسجتك تقول: "وأعشق عمري لأني اذا متت اخجل من دمع أمي". وتظلّ ترى في عيد الأمّ وجهاً لئيماً يصادفه حتى الكبار في السنّ متى صارت الأمهات صوراً معلقة على الحائط. الخسارات في الحياة كثيرة، لكنك تظلّ تملك الدنيا ما دامت هي هنا، وحين ترحل تخسر كلّ شيء، حتى ذاتك. تستجمع رباطة جأشك وتقرر أن تُفرج عن بضعة كلمات علّها تكفكف دمعة تائه وسط صخب هذا اليوم وعجقة الناس والورد والاحتفاليات الموسيقية. علّها ايضاً تحضّ الجميع على الاستشفاء يومياً بجرعة حبّ إضافية تجاه أمّ لا تنام قبل أن تراك في السرير دافئاً. ماذا ستقول؟! الأم بيننا ومعنا ملاك. وإن مشت، فلأنه حان موعد ترقيتها. سيصبح الملاك برتبة. سيصبح الملاك...قديسة حلوة. كل عيد وجميع أمهات الأرض والسماء بخير...
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك