ولم تبخل مصادر قصر الإليزيه، بمناسبة تقديمها للزيارة، في استخدام تعابير التفخيم بأن هذه الزيارة هي الثانية من نوعها التي يقوم بها ماكرون بعد زيارة أولى في عام 2018 زمن الرئيس السابق دونالد ترمب، كما أنها أول زيارة دولة في عهد خلفه بايدن الذي نسج معه الرئيس إيمانويل ماكرون علاقة قوية بعد الفتور الذي اعتراها خريف العام الماضي. وللتذكير، فإن سبب الفتور المباشر يعود لنقض أستراليا "صفقة القرن" المبرمة مع باريس عام 2019 بتخليها عن عقد شراء 12 غواصة فرنسية الصنع لصالح غواصات أميركية - بريطانية تعمل بالدفع النووي. وأكثر ما آلم باريس، إضافة إلى الضرر المادي لخسارتها صفقة بـ52 مليار دولار، أنها استبعدت عن التحالف الاستراتيجي الثلاثي الذي ضم الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، وغرضه الوقوف بوجه التمدد الصيني في منطقة الهندي-الهادئ، حيث وجود مصالح استراتيجية رئيسية لفرنسا. إلا أن ذلك كله طوي نهائياً وأعيد وضع العلاقات الثنائية على سكة التطوير وتعزيز التقارب، وتأتي هذه الزيارة لتكون تتويجاً لها.
ويصل ماكرون إلى
واشنطن، مساء الثلاثاء المقبل، مصحوباً بوفد وزاري ونيابي كبير، إضافة إلى شخصيات فاعلة في القطاعات الاقتصادية والمالية والعلمية والثقافية. وأُعد لماكرون برنامج حافل يتضمن لقاء عائلياً في إطار عشاء خاص للثنائي بايدن - ماكرون وعقيلتيهما، وسيوفر لهما الفرصة للبحث في الملفات الرئيسية بعيداً عن الشكليات.
وكما في زيارات الدولة، سيحظى ماكرون باستقبال رسمي في البيت الأبيض مع إطلاق 21 طلقة مدفعية، واستعراض حرس الشرف وزيارة مقبرة أرلنغتون، ثم عشاء رسمي موسع ليل الخميس في البيت الأبيض بحضور مئات الأشخاص. وسيعقد الرئيسان بعد اجتماعهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً. وقبل ذلك، ستتاح الفرصة لماكرون للتحدث للوسائل الإعلامية الأميركية، وأن يلتقي الجهات الفاعلة في قطاعات الطاقة النووية والأنشطة الفضائية والتغيرات المناخية والبيئة والتمويل المتجدد، بحضور نائبة الرئيس كمالا هاريس. وسيكون ماكرون ووزراؤه ضيوف الشرف في
وزارة الخارجية بحضور هاريس ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، حيث سيكون التركيز على المسائل الخارجية. كذلك سيزور ماكرون الكونغرس الأميركي ويلتقي أعضاء من مجلسي (الشيوخ والنواب)، وتنتهي زيارته في مدينة نيو أوليانز وولاية لويزيانا التي باعها الإمبراطور نابليون الأول في عام 1803 إلى الولايات المتحدة حتى لا تقع بأيدي الإنجليز.
بيد أن أهمية زيارة ماكرون لا تكمن فقط في رمزيتها، وفي أنها تشكل «اعترافاً» أميركياً بأهمية العلاقات الثنائية مع باريس، إذ ترى فيها مصادر الإليزيه "فرصة لتعزيز التشاور وتنسيق السياسات"، إنْ في كيفية التعاطي مع الصين أو في رؤية تتمات الحرب الروسية على أوكرانيا، فضلاً عن النظر في كيفية مواجهة تبعاتها من على جانبي الأطلسي على صعيدي الطاقة وإعادة تنشيط الاقتصاد، والمحافظة على المنافسة الشريفة بين الاقتصادين الأميركي والأوروبي. ويتخوف الجانب
الأوروبي من الخطة الأميركية الواسعة لدعم الاقتصاد الأميركي التي يرى فيها تهديداً لصناعاته؛ إذ من شأنها أن تصيب التنافس المتكافئ بين الطرفين. وقالت مصادر الإليزيه إن ما يزيد من أهمية هذه المسألة أن الاقتصاد الأوروبي يعاني أكثر من الاقتصاد الأميركي من تبعات الحرب في أوكرانيا. كذلك بين
الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اختلاف في الرؤية لكيفية التعامل مع الصين التي ترى فيها واشنطن تهديداً استراتيجياً لها بفضل إمكانياته المتزايدة في كافة القطاعات، بما فيها العسكري.
وقالت مصادر الإليزيه إن
الأوروبيين يسعون لإيجاد أسس التعاون مع الصين والولايات المتحدة، إلا أنهم يقفون على مسافة واحدة من الطرفين؛ إذ إنهم حلفاء أميركا وشركاء الصين. بيد أن هذا الواقع لا يمنع المصادر الرئاسية من تأكيد أن الأوروبيين لا يستطيعون اتباع السياسة الأميركية الصدامية مع الصين رغم تفهمهم لرغبة واشنطن في البقاء زعيمة العالم.