بعد الجدل الذي أحاط بمصير مقابر عدد من الرموز
المصرية، بسبب المخاوف من هدمها في إطار مشروع شق طرق جديدة في
القاهرة، وجه الرئيس المصري،
عبد الفتاح السيسي، بإنشاء مقبرة تحمل اسم "الخالدين"، تضم رفات ذوي الإسهامات المهمة في تاريخ البلاد.
لكن توجيه السيسي، الاثنين، بتشكيل لجنة لتقييم الموقف بشأن نقل المقابر بمنطقة السيدة نفيسة والإمام الشافعي بوسط القاهرة، أثار تساؤلات عدد من خبراء الآثار حول آليات تحديد الرموز "المهمة" ومصير رفات الأشخاص العاديين، فيما هاجم عدد من الاقتصاديين توقيت وجدوى إنشاء هذه المقبرة، نظرا لما تمر به مصر من أزمة اقتصادية.
وأوضح بيان من الرئاسة المصرية، الاثنين، أن السيسي وجه بإنشاء "مقبرة الخالدين" في موقع مناسب، لتكون صرحا يضم رفات عظماء مصر ورموزها من "ذوي الإسهامات البارزة في رفعة الوطن"، على أن تتضمن أيضا متحفا للأعمال الفنية والأثرية الموجودة في المقابر الحالية.
خلاف أثري
وقال الباحث الأثري، كريم ذكري، لموقع "الحرة" إن "الأمر منذ بدايته يتسم بالعشوائية الشديدة من قبل القائمين على الأمر".
وأضاف أن "تشكيل هذه اللجنة جاء متأخرا بشدة وبعد انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان يجب أن تخرج دراسة مفصلة بالأهمية التاريخية للمنطقة وكيفية التعامل معها منذ بداية الأمر وليس بعد الضغط الشعبي".
وتابع أن "هذا الأمر سيتسبب في مزيد من الاحتقان بين فئات الشعب، لأن مقابر السيدة عائشة والإمام الشافعي تضم آلاف الرفات لأشخاص عاديين، ولم يتحدد بعد ما سيكون مصير هؤلاء باعتبارهم ليسوا رموزا وطنية".
ويرى ذكري أن مناطق الجبانات في مصر لها طابع وهوية خاصة لن تستطيع الحكومة الحالية بناء ما يشبهها، سواء من حيث الطراز أو التفاصيل من نقوش وطريقة بناء وغيرها.
وقال إن "المتحف سيكون عبارة عن مبنى عادي يضم رفات هذه الرموز وسيكون فاقدا لهوية الجبانات في مصر والتي تحظى بشعبية كبيرة سواء محليا أو حتى دوليا، وتتوافد عليها السياحة الداخلية والدينية وكذلك السياحة الأجنبية".
وأشار الباحث الأثري إلى أن اللجنة التي ستُشكل "ستكون في عجلة من أمرها"، إذ بحسب البيان الرئاسي، مطلوب منها أن تعلن توصياتها للرأي العام قبل اﻷول من يوليو المقبل.
واعتبر ذكري أن الحل الأمثل هو إلغاء مشروع شق طرق جديدة في القاهرة تمر عبر هذه الجبانات، موضحا أن "الأمر لا يزال بأيدينا، خاصة أنه حتى الآن لم يُحدد التوجيه الرئاسي، مكانا محددا للمقبرة المزمع إقامتها".
وتحدث الباحث الأثري عن مشكلة أخرى قد تواجه عمليات النقل، وهي أن "منطقة السيدة عائشة والإمام الشافعي تعوم على مياه جوفية، وبالتالي سيكون من الصعب إيجاد رفات كثير من الأشخاص"، على حد قوله.
وطالب ذكري اللجنة بمحاولة إيجاد حلول وبدائل أخرى بخلاف الهدم والإزالة، مؤكدا إمكانية الموازنة بين التطوير والحفاظ على التراث، مثلما يحدث في معظم دول العالم.
وكانت حملات منددة تصاعدت مؤخرا، في أبريل الماضي، عبر المنصات الرقمية في مصر، اعتراضا على الحملات الحكومية بهدم وإزالة مقابر لشخصيات تاريخية بالقاهرة القديمة بغرض إقامة طرق ضمن تطوير مناطق القلعة والسيدة نفيسة والسيدة عائشة بالقاهرة، بدعوى تطوير وتوسعة شبكة الطرق.
من سنة تقريبًا انتشر كلام عن احتمالية إزالة ضريح عميد الادب وواحد من أهم مفكرين مصر وأحد رواد الفكر القومي وهو الراحل الكبير "طه حسين" أثناء أعمال إنشاء كوبري مروري جديد في المنطقة اللي بيقع فيها الضريح. pic.twitter.com/w4BbS5i4s8
ووفقا للموقع الرسمي لخريطة مشروعات مصر الحكومي، يهدف محور الفردوس الحر، بتكلفة 1.2 مليار دولار، إلى الربط بين منطقة وسط القاهرة، والمحاور الرئيسية الطولية "صلاح سالم – الأتوستراد – امتداد محور المشير طنطاوي"، والطريق الدائري، والقاهرة الجديدة، وصولا إلى العاصمة الإدارية الجديدة.
وانتشرت عبر منصات التواصل في مصر صور لمقابر شخصيات تاريخية تدخل ضمن مخطط الهدم، مثل الشاعرين محمود سامي البارودي وحافظ إبراهيم، وعميد الأدب العربي، طه حسين، والشيخان محمد رفعت ومحمد مصطفى المراغي، وانتشرت المطالب بوقف تلك القرارات والاهتمام بهذه "الآثار التاريخية" وليس تهميش الشخصيات بنقل رفاتها.
وحسب ما ذكرته صحف محلية، فإن من المقرر إزالة نحو 2700 مقبرة، ونقلها لأماكن جديدة بمناطق 15 مايو والعاشر من
رمضان، في حين تتولى الأسرة نقل الرفات.
الأزمة الاقتصادية تتصدر المشهد
وبالنسبة للجانب الاقتصادي لمقبرة الخالدين، قال الخبير الاقتصادي، سليم أبو العنين، لموقع "الحرة" إن تكلفة إنشاء مقبرة ومتحف يليقان بمستوى رفات الرموز التي ستُنقل ستكون مرتفعة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، وآخرها اعتماد الموازنة للسنة المالية الجديدة، الاثنين، بعجز 7 في المئة أي بنحو 824.4 مليار جنيه.
وأوضح أنه نتيجة للأزمة الاقتصادية، قررت مصر رفع أسعار دخول المتاحف والمناطق الأثرية في القاهرة وحتى الجديدة منها، مثل متحف الحضارة في الفسطاط، وهو ما أثر بالطبع على أعداد السياحة الداخلية، وبالتالي انخفاض دخل هذه المتاحف.
ويرى أبو العنين أن هذا القرار يأتي استمرارا للقرارات الاقتصادية غير المحسوبة من الإدارة الحالية والتي ليس لها جدوى على المدى
القصير، موضحا أنه حاليا لا يجب أن تهتم الحكومة سوى بحل الأزمة الاقتصادية التي تتصدر المشهد.
وقال إنه وفقا بيانات
البنك المركزي المصري، فإن الأسعار زادت في مايو بنسبة 2.9 في المئة مقارنة بزيادة 1.7 في المئة في أبريل، كما زاد معدل التضخم (ارتفاع الأسعار) السنوي من 38.6 في المئة في أبريل إلى 40.3 في المئة في مايو، وهذا يعني "بوضوح أن الأمور تنحدر للأسوأ بشكل صعب".
وتابع أنه "ليس من الطبيعي في ظل تراكم الديون وهروب المستثمرين وعجز الموازنة أن تقرر مصر إنفاق ملايين الجنيهات على عمليات نقل الرفات، وبناء مقبرة ومتحف".
وأوضح الخبير الاقتصادي أنه لا يوجد مجال في الوقت الراهن لتكرار القرارات الاقتصادية غير الحكيمة التي تسببت في أزمة مصر الحالية.
قرار صائب
وقال الخبير الأثري في وزارة الآثار المصرية، حسين عبد الحافظ، لموقع "الحرة" إن "إنشاء مقبرة الخالدين يعتبر قرارا صائبا لحل الأزمة الحالية لاحتواء غضب البعض بسبب هدم المقابر، وفي الوقت نفسه لا يحرم القاهرة من شبكة الطرق الحديثة التي تهتم الحكومة بإقامتها".
وأضاف أنه "بخلاف ما يشاع على وسائل التواصل، فإن هذه المقبرة دليل على حرص مصر على شخصياتها ورموزها الوطنية للأجيال
القادمة كما يمكن استغلالها كمزار سياحي مهم من مزارات السياحة الثقافية".
وتابع أن اللجنة التي أمر الرئيس السيسي بتشكيلها ستضم مختلف خبراء الآثار، ومن المؤكد أن "القرارات ستكون مدروسة جيدا وسيختارون أفضل تصميم معماري يليق بمقبرة الخالدين".
وأوضح أن الحكومة الحالية وعلى رأسها الرئيس السيسي أظهرت حرصا كبيرا خلال الأعوام الماضية في الحفاظ على تاريخ وآثار مصر، وهو ما كان واضحا في الحفل الأسطوري لافتتاح طريق الكباش في الأقصر، وافتتاح متحف الحضارة، فضلا عن المتحف المصري الجديد الذي لم يتم افتتاحه بعد.(العربية)