كان للعدوان الروسي على
أوكرانيا تداعيات كبيرة على الصعيد العالمي، خاصة في إفريقيا، ما جعل صانعي السياسة الغربيين يدركون بوضوح الحاجة إلى مواجهة السياسة الروسية في القارة السمراء، هي التي أظهرت دولها تسامحًا مفاجئًا مع السياسة الروسية.
وبحسب صحيفة "The Hill" الأميركية، "فقد سلط هذا العدوان الضوء على حاجة الغرب إلى إيجاد بدائل للغاز والنفط الروسي، كما وكيفية نقل الحبوب من روسيا وأوكرانيا عبر البحر الأسود إلى المستهلكين الرئيسيين في
الشرق الأوسط وأفريقيا. بفضل كل ما سبق، فإن البلدان الأفريقية التي لديها إمدادات طاقة وفيرة، مثل الجزائر، تحتل الآن مكانة بارزة في الزحف الجديد نحو إفريقيا".
وتابعت الصحيفة، "للجزائر أهمية استراتيجية جديدة، وهي تستغلها بشكل جيد. فمن ناحية، وقعت الدولة
الشمال إفريقية عقود طاقة كبيرة مع إيطاليا، ومن ناحية أخرى، أوقفت التعاون مع إسبانيا بعد إعلان مدريد دعمها للمغرب بدلاً من الجزائر في خلافات الصحراء الغربية. أما بالنسبة لعلاقتها مع فرنسا، فهي متوترة كما هو الحال مع إسبانيا. ويبدو أن الجزائر ستستغل مجال الطاقة لضمان استمراريتها في نزاعها مع المغرب، الحليف القوي للولايات المتحدة والدولة التي شرعت في شراء الأسلحة
الإسرائيلية. ونتيجة لذلك، وطدت الجزائر علاقتها بإيران، ووصف مقال إخباري هذه الخطوة على أنها تمثل "كراهية لإسرائيل".
وأضافت الصحيفة، "إن هذا النوع من التحدي الإقليمي مصمم خصيصاً لتلبية متطلبات موسكو، التي طورت العلاقات مع الجزائر بشكل مطرد لعدة سنوات من خلال استغلال نزاع الصحراء الغربية. في الواقع، يُعد استغلال مثل هذه الخصومات العرقية الإقليمية تقليدًا روسيًا قديمًا. وفي الآونة الأخيرة، دعا الرئيس الروسي
فلاديمير بوتين نظيره الجزائري عبد المجيد تبون إلى روسيا لحضور منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي السنوي. ففي حين ناقشت الحكومتان علاقاتهما التاريخية وكيفية تحسين العلاقات التجارية والاستثمارية والاقتصادية، بحثتا أيضًا عن طرق لإجراء تبادل للمعلومات بين أجهزتهما الاستخباراتية والاستكشاف المشترك لمشاريع الطاقة. في الواقع، أخبر بوتين تبون أن الجزائر هي واحدة من أكبر ثلاثة شركاء لروسيا في إفريقيا".
وبحسب الصحيفة، "لم يأتِ كلام بوتين دون سابق إنذار. فقد سعت الجزائر إلى تمويل جزء من الاتفاق بين روسيا ودولة مالي والذي يمهد الطريق لنشر قوات مجموعة "فاغنر" هناك منذ عام 2021. وتفيد التقارير أن الأرقام الرسمية الجزائرية تظهر أن الجزائر هي ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا في إفريقيا، كما وأنها ثالث أكبر مستورد للأسلحة الروسية في العالم، وتشكل الأسلحة والأنظمة العسكرية الروسية أكثر من 50 في المائة من ترسانة الجزائر. اقتصاديًا، زادت الجزائر وارداتها من القمح وزيت فول الصويا من روسيا ومن المرجح أنها ناقشت صفقات زراعية جديدة خلال زيارة تبون".
ورأت الصحيفة أنه "مع ذلك، أثارت شراكة الجزائر المتنامية مع روسيا حفيظة الحكومات الغربية، وطالبت وزيرة الخارجية
الألمانية أنالينا بربوك مؤخرا الجزائر بإدانة روسيا باعتبارها الدولة المعتدية على أوكرانيا. وبالمثل، وجه الحزبان الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس رسالة إلى
وزير الخارجية أنتوني بلينكن في عام 2022 دعوه فيها إلى فرض عقوبات على الجزائر بسبب صفقات الأسلحة مع روسيا".
وبحسب الصحيفة، "ساهم التقارب بين روسيا والجزائر بإعطاء موسكو فرصًا ليس فقط لتعزيز أجندتها المعادية للغرب في إفريقيا ولكن أيضًا للادعاء بأن لديها دعمًا دوليًا كبيراً في حربها ضد أوكرانيا. إن هجوم موسكو الشامل على إفريقيا يسلط الضوء أيضًا على الإهمال
الغربي غير المبرر للقارة السمراء والمصالح الأفريقية على مدى سنوات عديدة. وبالتالي، فليس من المستغرب أن تحاول الحكومات الغربية إعادة تموضعها في القارة. ولكن الغرب بحاجة إلى دبلوماسية تتسم بيقظة أكثر. في النهاية، تُترجم أهداف موسكو في الجزائر وأماكن أخرى في إفريقيا إلى البحث عن قواعد بحرية أو جوية في كل أنحاء البحر الأبيض المتوسط والمياه المجاورة، والجزائر لا تشكل استثناء. بصرف النظر عن تعزيز النفوذ الروسي في البلدان المضيفة، سيكون الغرض منها ردع الناتو، ليس فقط في البحر الأسود ولكن أيضًا في البحر الأبيض المتوسط وما وراءه".
وختمت الصحيفة، "إن التقارب الجزائري الروسي لا يهدد فقط الصراعات الإقليمية في شمال إفريقيا ولكن، بعد هذه الصراعات العسكرية، يفتح على آفاق تشمل التهديدات الأمنية الدولية لأوروبا وخارجها. يجب إيلاء المزيد من الاهتمام لمنطقة جنوب
أوروبا وأفريقيا، لأن ما يحدث في القارة السمراء لن يبقى داخل حدودها".