كتب جورج شاهين في" الجمهورية": قياساً على الظروف الناشئة عما حصل وما شكلته عملية «طوفان الاقصى» من مفاجآت صاعقة وغير محتسبة، باشَرت المراجع الديبلوماسية والعسكرية التداول بمسلسل الأحداث المرتقبة التي يمكن أن تقود اليها المواجهة المفتوحة على شتى الاحتمالات، ومنها الحديث عن عملية برية لاجتياح قطاع غزة مرة أخرى بعد الانتهاء من السيطرة على الكيبوتزات والمستعمرات التي دخلتها حركة «حماس» تمهيدا لحصر المواجهة المقبلة بتخوم القطاع.
وإن دخلت هذه المراجع في مناقشتها لكل ما هو متوقع فإنه على رغم من الحديث عن التحضيرات الاسرائيلية التي تلت «إعلان الحرب»، فإنّ هناك من لا يزال يشكك في احتمال قيام اسرائيل بعملية برية استناداً الى مجموعة من المؤشرات في مواجهة من يعتبر أنها حتمية في انتظار ساعة الصفر للقيام بها. وهو نقاش ما زال قائما وربما سيطول البحث فيه انتظاراً لبعض المعطيات الدولية التي يجب توفيرها قبل القيام بعملية دموية تُحيي في الأذهان اعمال التطهير العرقي والمذهبي التي شهدتها بعض دول العالم ولم تنس نتائجها بعد.
ومهما تعددت السيناريوهات المتوقعة، فإن معظمها يشير الى سيل من بحور الدم التي ستجري في شوارع قطاع غزة عَدا عن التكلفة العسكرية المقدرة لها على الجيش الاسرائيلي في توقيت لم تستوعب فيه بعد قيادتاه السياسية والعسكرية ما انتهت إليه عملية «طوفان الأقصى» التي نفّذها آلاف الحمساويين من البحر والبر والجو بتنسيق غير مسبوق بين مختلف هذه الاسلحة، والتي اساءت بنحوٍ لا نقاش فيه الى هيبة الجيش الاسرائيلي ونزعت منه الثقة التي نالها في الداخل والخارج.
ولمّا كان أصحاب النظرية الاولى ما زالوا يستبعدون العملية البرية استنادا الى معلومات قليلة عن احتمال وجود مبادرة أميركية سيحملها
وزير الخارجية أنتوني بلينكن إلى
إسرائيل في الأيام المقبلة لتلاقي مبادرات أخرى ما زالت في الظل، وإن تسرّب منها الاقتراح القطري الذي تحدث عن عملية تبادل للأسرى النساء لدى «حماس» بالسجينات الفلسطينيات، هناك حديث في الأقنية الديبلوماسية المقفلة عن اقتراح مصري مدعوم تركيّاً وهو موضوع نقاش مع
الأميركيين، وربما كانت هناك مبادرة سعودية أخرى تحظى بالتغطية عينها وهي تستند الى محادثات التطبيع التي سبقت العملية الصاعقة التي جَمّدتها وأبعدتها عن سلم الأولويات الاقليمية والدولية.
وبالنظر الى ما يعوق النظرية الاولى، فإنّ الحديث عن حتمية الثانية له مقومات ما زالت تتقدم بأي اقتراح او تفكير بحراك سلمي يقود الى وقف للنار. ومَرد مكامن القوة في هذه النظرية القول انّ أي حل سياسي او ديبلوماسي ما زال بعيد المنال قبل ان تستعيد اسرائيل شيئاً مما فقدته في الايام الاربعة من هيبة لم تعرفها في حياتها وسط شعور بأنها مَسّت أيضاً داعميها الدوليين من
واشنطن الى
باريس ولندن وبرلين، وربما عواصم عدة في العالم لم ترتعد يوماً لما ارتكبه الجيش الاسرائيلي في القدس والضفة الغربية وغزة من فظائع، حتى رأت في اقتحام «حماس» لبعض البؤر الاستيطانية والكيبوتزات والمواقع العسكرية المحصنة ما سَمّته «المجازر» التي استنسخت فيها الوسائل الاسرائيلية في تعاطيها لعقود من الزمن مع سكان المدن
الفلسطينية التي اقتحمتها وطريقة تعاطيها مع المسلحين في مواجهاتها الاخيرة والحروب المتلاحقة في الضفة وغزة.
وبناء على ما تقدم، تعترف مراجع ديبلوماسية وعسكرية بصعوبة تقدير احداث الايام المقبلة والتي تقاس بما هو مرتقب في الساعات لا بالايام. فمساعي تشكيل «حكومة الوحدة الوطنية»
في إسرائيل قد يكون سبباً قبل تحديد ساعة الصفر لعملية برية. وقد يكون تكوين الترسانة العسكرية الاميركية والغربية التي وصلت طلائعها الى اسرائيل سبباً آخر، خصوصاً تلك التي تتحدث عن صواريخ متخصصة بضرب الأنفاق العميقة إن احتسب واضعو خطط الهجوم أن ما تحت أرض غزة من ترسانة بشرية وعسكرية أكبر مما هو فوقها. وقد يكون ذلك عائقا امام اي تقدم بري يضع الآليات المُدرّعة امام مخاطر جمة من دون احتساب كلفتها على المدنيين
الفلسطينيين الذين يحتاجون الى مقومات العيش اليومية، وعندها ستسقط كل النظريات والتحليلات ليشهد العالم اكبر مجزرة في التاريخين القديم والمعاصر.