تتحرّك
الولايات المتحدة سريعًا على جبهة الكاريبي. حشدٌ بحريّ غير مسبوق منذ سنوات، مسعى
دبلوماسي لضمّ دولٍ أوروبية وأميركية لاتينية، ورفعُ قيمة المكافأة على القبض على نيكولاس مادورو إلى 50 مليون دولار. الرسالة، كما تقرؤها العواصم، مزدوجة: "حربٌ على المخدّرات" عنوانًا، وضغطٌ سياسي مباشر على كاراكاس مضمونًا. ففي الأيام الماضية، أكّدت تقارير موثوقة نشر سبع قطع بحرية أميركية، مع غواصة نووية، وما لا يقل عن 4500 بحّار ومارينز، بالتوازي مع طلعات استطلاع لطائرة P-8 في الكاريبي الجنوبي. وعلى الأرض، تقول الإدارة الأميركية إن الهدف تفكيك شبكات تهريب مرتبطة بنظام مادورو؛ فيما ترى فنزويلا أن الهدف الحقيقي هو "الدولة" لا الكارتيلات.
على الضفة الدبلوماسية، يقود
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتصالاتٍ مع المكسيك وكندا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا لتوسيع مظلّة التعاون الأمني في البحر الكاريبي. صحيفة ABC الإسبانية وصفت التحرّك بأنه محاولة لصوغ "تحالفٍ مضادّ" لـ"كارتيل الشمس" الذي تتّهمه
واشنطن بأنّه يعمل تحت رعاية مادورو. وفي موازاة ذلك، أعلن الستيت ديبارتمنت رسميًا جدول سفر لروبيو إلى المكسيك والإكوادور لتعزيز هذا المسار. دلالات المشهد واضحة: واشنطن لا تريد أن تبدو وحيدة في "المعركة"، وتبحث عن غطاءٍ إقليمي–
أوروبي يُصعّب على كاراكاس تدويل خطاب «العدوان».
فرنسا دخلت على الخطّ ميدانيًا.
باريس أعلنت تعزيز وجودها العسكري–الأمني في جزر غوادلوب ومارتينيك لمكافحة التهريب، عبر وسائل مراقبة بحرية وبرّية، وهو ما قرأته وسائل فرنكوفونية بوصفه "تلاقيًا" مع التحركات الأميركية. لا يعني ذلك انخراطًا فرنسيًا في أيّ تصعيد عسكري ضدّ فنزويلا، لكنّه يوفّر واجهة أوروبية صلبة لحجّة "ضبط طرق التهريب". وتتوازى هذه الخطوة مع عمليات ضبط مخدّرات كبيرة نفّذتها القوات
الفرنسية في الكاريبي خلال آب.
الشقّ القضائي يرفع مستوى الإحكام.
وزارة الخارجية الأميركية أعلنت زيادة المكافأة إلى 50 مليون دولار لمن يوفّر معلومات تقود إلى اعتقال وإدانة مادورو بموجب برنامج مكافآت المخدرات، مستندةً إلى لائحة اتهام اتحادية عمرها سنوات. تقارير صحفية عدّة نقلت كذلك عن وزارة العدل ومسؤولين أمنيين أرقامًا حول مصادرات كوكايين مرتبطة بشبكات محسوبة على الدائرة الفنزويلية. في المقابل، تُجادل حكوماتٌ في الإقليم—ومنها المكسيك—بأن الأدلة العلنية على "الربط المباشر" ليست محكمة بعد، ما يكشف هوّة في مقاربة بعض الشركاء لملفّ الإثبات القضائي مقابل المقاربة السياسية.
كاراكاس، من جهتها، تصف ما يحدث بأنه "حصارٌ عدائي" يناقض ميثاق
الأمم المتحدة، وقدّمت شكوى للأمين العام أنطونيو غوتيريش. خطاب مادورو يركّز على نزع الشرعية عن الوجود البحري الأميركي واعتباره مقدّمةً لـ"عملٍ حركي"؛ بينما تقديرات عسكرية أميركية وأوروبية تميل إلى أنّ الحشد الراهن يندرج تحت "دبلوماسية الزوارق الحربية" أكثر من كونه تمهيدًا لغزو، مع إبقاء هامش عملياتٍ محدودة لتعطيل التهريب أو اختبار ردع كاراكاس.
هل نحن أمام «باناما 1989» جديدة؟
المقارنة حاضرة في تحليلات أميركية. استعراضٌ بحري ورسائل علنية عن "زعيمٍ متورّط في المخدرات"، ثمّ تضييقٌ سياسي وقضائي قد يتحوّل إلى "تغييرٍ قسري". لكن الفوارق كبيرة: بيئة دولية أكثر انقسامًا، حضور روسي وصيني داعم لفنزويلا، وخريطة طرق تهريب لا تمرّ كلها عبر المسار البحري الكاريبي. لذلك يرجّح مراقبون أمريكيون أن تستخدم واشنطن سلاح الخنق المتدرّج: مكافآت وعقوبات وتعاونٌ بحري وأمني أوسع، لرفع كلفة بقاء الشبكات على العمل وخفض هامش المناورة أمام مادورو، من دون الانزلاق إلى حربٍ مفتوحة. (وكالات)