أبعدت عقودٌ من
العقوبات الصارمة، إلى جانب اعتماد نماذج اقتصادية مغايرة للرأسمالية السائدة عالميًا،
فنزويلا عن الاستثمار الفعلي في واحدة من أضخم سلال الثروات الطبيعية على الكوكب. وتعود هذه الثروات اليوم إلى واجهة الاهتمام الدولي كلما دخلت كراكاس منعطفًا سياسيًا حادًا، كما حدث عقب الإعلان عن توقيف الرئيس نيكولاس مادورو.
فماذا تمتلك فنزويلا فعليًا؟ وما القيمة الحقيقية لهذه
الثروة؟
النفط… جوهرة التاج
تتصدّر فنزويلا العالم من حيث احتياطيات
النفط المؤكدة، بنحو 303 مليارات برميل، معظمها من النفط الثقيل وفائق الثقل في حزام أورينوكو. وبسعر افتراضي يبلغ 75 دولارًا للبرميل، تتجاوز القيمة النظرية الإجمالية 22 تريليون دولار (غير صافية).
لكن هذا الرقم الضخم لم يترجم إلى قوة إنتاجية بسبب نقص الاستثمارات، والعقوبات الأميركية، وتراجع البنية التحتية لشركة PDVSA.
الغاز الطبيعي… الثروة الصامتة
تمتلك البلاد أكثر من 6.3 تريليونات متر مكعب من احتياطيات الغاز المؤكدة، ما يضعها ضمن أكبر عشر دول عالميًا. ورغم ذلك، تبقى غالبية هذه الاحتياطيات—خصوصًا البحرية—غير مطوّرة. ويرى خبراء أن الغاز قد يشكّل رافعة أسرع للنهوض الاقتصادي إذا رُفعت القيود وجُذبت الاستثمارات الأجنبية.
الذهب… كنز الجنوب
يضم "قوس التعدين" في أورينوكو أحد أكبر أحزمة
الذهب في أميركا اللاتينية، باحتياطي مؤكد يقارب 8 آلاف طن، بقيمة تقديرية تتجاوز 500 مليار دولار وفق أسعار السوق الحالية. غير أن القطاع يعاني تعدينًا غير نظامي وتهريبًا واسعًا، مع ضعف الشفافية البيئية والمالية.
معادن استراتيجية نادرة
إلى جانب الذهب، تمتلك فنزويلا مخزونًا معتبرًا من
المعادن ذات الأهمية الصناعية:
• الحديد (منجم سيرو بوليفار من الأكبر في أميركا الجنوبية)
• البوكسيت (الألمنيوم)
• الكولتان المستخدم في الإلكترونيات
• النيكل والفوسفات
وتُعد هذه الموارد أوراقًا استراتيجية في زمن التحول الرقمي والطاقة النظيفة.
الأرض والمياه… ثروة مهملة
بعيدًا عن باطن الأرض، تتمتع فنزويلا بأراضٍ زراعية خصبة في سهول اللانوس، وبأحد أكبر مخزونات المياه العذبة عالميًا. ويسمح تنوّعها المناخي بإنتاج البن والكاكاو (من الأجود عالميًا) والذرة وقصب السكر. لكن الانهيار الاقتصادي حوّل بلدًا زراعيًا تاريخيًا إلى مستورد صافٍ للغذاء.
الموقع الجغرافي… قيمة لا تُقدّر
تطل فنزويلا على البحر الكاريبي، وتقع قرب أسواق
الولايات المتحدة وأميركا الوسطى وقناة بنما، ما يؤهلها—إذا استقرت سياسيًا—لتكون مركز طاقة وتجارة إقليميًا.
لماذا تعود فنزويلا إلى الواجهة الآن؟
أعاد توقيف مادورو طرح السؤال الحاسم: هل تدخل البلاد مرحلة انفتاح اقتصادي تُحوّل الثروات من أرقام على الورق إلى نمو فعلي؟
الإجابة مرهونة بثلاثة عوامل: شكل السلطة المقبلة، ومصير العقوبات الدولية، وقدرة الدولة
على استعادة الثقة وبناء المؤسسات.
فنزويلا ليست دولة فقيرة الموارد، بل دولة غنية مُعطّلة: نفط يكفي لعقود، وغاز غير مستثمر، وذهب ومعادن استراتيجية، وأرض ومياه قادرتان على تحقيق الأمن الغذائي. غير أن تحويل هذه الثروة إلى اقتصاد منتج يظل رهين الاستقرار السياسي والإدارة الرشيدة—فالتحدي ليس في حجم الموارد، بل في كيفية إدارتها.