ذكرت صحيفة "The Hill" الأميركية أن "إيران اليوم ربما تكون أقرب إلى نقطة الانهيار من أي وقت مضى منذ ثورتها عام 1979. لا تزال أجهزة الأمن التابعة للنظام تمارس العنف والاعتقال، بل والقتل أحيانًا، ولكن ربما لن يدوم ذلك. تسقط الأنظمة الاستبدادية التي تحكم بالقوة عندما يقرر الشعب المسلح ذلك. في الواقع، يوفر الجمهور الشجاعة والشرعية والصور للتاريخ، لكن العامل الحاسم غالبًا ما يكون داخل المؤسسة الأمنية. سيتوقف مصير إيران في نهاية المطاف على عدد الضباط الذين سيخلصون إلى أن الوضع الراهن أصبح أكثر خطورة، على الدولة وعليهم، من التخلي عنه".
وبحسب الصحيفة، لهذا السبب، فإن الإشارات الدولية، مهما كانت فجة أو ساخرة، لها أهمية أكبر مما تبدو عليه. حتى تصريح الرئيس الأميركي
دونالد ترامب الذي يبدو متهوراً للوهلة الأولى، بأن
الولايات المتحدة "مستعدة تماماً" لحماية الشعب
الإيراني، يُفهم على نحو أفضل ليس كخطاب موجه للمتظاهرين، بل كرسالة موجهة إلى الضباط وينطبق الأمر عينه على انقلاب واشنطن المثير للجدل قانونياً على نيكولاس مادورو في فنزويلا خلال عطلة نهاية الأسبوع. وفي الواقع، تنتمي هذه التحركات إلى تاريخ طويل ومتشعب من المغامرات الأميركية لتغيير الأنظمة، لكنها قد تكون مفيدة للغاية في التأثير على حسابات المخاطر داخل الجيش الإيراني".
وتابعت الصحيفة، "لا يرتكز النظام الإيراني على مؤسسة قسرية واحدة، بل على مؤسستين. الأولى هي الحرس الثوري الإسلامي، النواة الأيديولوجية للنظام، المتشابك بعمق مع الاقتصاد، والمكلف بالدفاع عن الثورة كمشروع. أما الثانية فهي الجيش الوطني، الأقدم من الجمهورية الإسلامية، والذي لا يستند إلى أيديولوجية دينية بقدر ما يستند إلى مبادئ تقليدية للدفاع عن الدولة. على مدى عقود، كان الاتفاق يقضي بأن تبقى "قوات الأرتش" هادئة سياسياً، وأن تتولى قوات الحرس القمع الداخلي. وطالما استمر هذا الاتفاق، فإن حركات الاحتجاج ستصطدم بجدار مسدود. ولكن إذا توقفت عناصر من الجيش الوطني عن الالتزام بهذا الاتفاق، فقد يتغير كل شيء بسرعة. حتى الآن، واجهت قوات الأمن مدنيين عُزّل، وإذا أبدت بعض فصائل الجيش الوطني عدم رغبتها في قمع المعارضة، فسيواجه النظام مؤسسة مسلحة منافسة بدلاً من مجرد حشود، كما وسيواجه معضلة وجودية".
وأضافت الصحيفة، "قد يؤدي هذا إلى تشكيل مجلس عسكري يهيمن عليه الحرس الثوري الإسلامي، وقد يؤدي أيضاً إلى انتقال تفاوضي، تُنفذه جزئياً قوات الأرتش، انتقال غير منظم وهش، ولكنه يفسح المجال للتغيير السياسي. أما المسار الثالث فهو حرب أهلية متعددة الأطراف تُنذر بخطر جرّ فاعلين إقليميين. إذا ما انحاز الجيش النظامي إلى الشارع مبكراً، قبل انقسام الميليشيات وتسارع التدخل الأجنبي، فقد يُرجّح كفة المفاوضات بدلاً من الفوضى المطولة. يؤكد التاريخ هذا النمط. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، مصر. سيظل ميدان التحرير رمزاً للشباب والأمل، لكن اللحظة الحاسمة كانت اجتماعاً للجنرالات الذين طرحوا سؤالاً صريحاً: هل أصبح حسني مبارك الآن أكثر خطورة على استمرارية الدولة من إزاحته؟ قرروا أن مبارك هو الخطر الأكبر، ودبروا رحيله".
وبحسب الصحيفة، "تُشكل إيران اليوم وضعاً مشابهاً، مع ضغوط إضافية. لم تُسقط الاحتجاجات السابقة النظام، لكنها أضعفت قدرته على بثّ الخوف، وقد رسّخت التظاهرات والإضرابات المتكررة روح المعارضة في الحياة اليومية. يقود الضباط في جيش أرتيش مجندين من نفس العائلات التي عانت من الانهيار الاقتصادي للبلاد، ولم يعد الحماس الأيديولوجي لفترة الثورة المبكرة يربط جيلاً أصغر سناً عرف في الغالب العقوبات الاقتصادية العالمية والعزلة وإحباط الطموح. تتوالى التقارير عن معارضة هادئة حتى مع إصرار النظام على الوحدة، لا يمكن الجزم ما إذا كانت هذه الهمسات ستتطور إلى قطيعة، لكن وجودها بحد ذاته دليلٌ على شيء ما".
وتابعت الصحيفة، "هناك أيضًا ذاكرة مؤسسية أعمق وأكثر شخصية حاضرة. ففي نيسان 1979، بعد أشهر من فرار الشاه وعودة آية الله الخميني من المنفى، أُجري استفتاء أعلن أن 99% من الإيرانيين اختاروا الحكم الديني. وكانت القوات المسلحة تمتلك الوسائل لإبطاء هذه العملية والمطالبة بانتقال دستوري حقيقي، لكن الجنرالات، المنهكين والخائفين من حرب أهلية، وقفوا جانبًا باسم الاستقرار. لقد افترضوا أن الخميني سيكون مجرد رمز أخلاقي مؤقت، لا مهندساً لنظام ديني دائم. لقد كان خطأً فادحاً أودى بحياة عدد لا يحصى من الناس في كل أنحاء المنطقة".
وأضافت الصحيفة، "قام النظام الجديد بتطهير كبار الضباط، وأنشأ قوى أيديولوجية موازية، وأخضع الجيش بشكل دائم لسلطة رجال الدين. وبذلك، حصر إيران في بنية سياسية أفقرتها وعزلتها. لقد اضطهدت الجمهورية الإسلامية رعاياها ونشرت الجهادية من خلال تمويل وتدريب وتسليح الفصائل المسلحة التي جلبت الفوضى إلى العراق واليمن وسوريا ولبنان، ومأساة لا توصف إلى الساحة
الإسرائيلية الفلسطينية. كما استفزت إيران الغرب بمساعيها لامتلاك أسلحة نووية وتضليلها لمفتشي
الأمم المتحدة، وبلغ هذا ذروته في هجوم إسرائيلي استمر 12 يومًا في حزيران الماضي، شُلّ خلاله الدفاع الجوي الإيراني، وتراجع برنامجها النووي والصاروخي الباليستي بشكل كبير. وشاهد الإيرانيون النظام وهو يُذلّ ويُهزم هزيمة نكراء، وتبددت استثماراته غير الحكيمة في أدوات العدوان".
وبحسب الصحيفة، "إذا ما تحرك الجيش الإيراني في نهاية المطاف لتصحيح خطئه، فلا ينبغي لأحد أن يبالغ في التفاؤل بشأن ما قد يترتب على ذلك، فلن يُفضي ذلك مباشرةً إلى ديمقراطية ليبرالية، بل سيُصوَّر على الأرجح على أنه "تصحيح"، وربما حتى تحقيقٌ للمُثُل "الحقيقية" للثورة. فالجيوش التي تسعى للإطاحة بالحكام المجرمين غالباً ما تجد صعوبة في التخلي عن السلطة، وفي حالة إيران، قد يؤدي ذلك أيضاً إلى حرب أهلية فوضوية مع الحرس الثوري، لكن مثل هذه الصدمة ستُزعزع أيضاً هالة الاستقرار التي تعتمد عليها الجمهورية الإسلامية. ولعلها أفضل أمل للإيرانيين لإنهاء كابوس دام قرابة نصف قرن".