ذكرت صحيفة "The Washington Post" الأميركية أن "سرعة التطورات الأخيرة مذهلة لدرجة أن حدثاً وقع قبل أسبوع واحد فقط يمكن أن يشكل سابقة لاضطرابات جديدة. وفي ظل استمرار الاحتجاجات ضد النظام
الإيراني في مواجهة العنف المروع، يراقب عدد كبير من المحللين المختصين بالشأن الإيراني مناورة الرئيس الأميركي
دونالد ترامب في فنزويلا هذا الشهر بحثاً عن أدلة لما قد يحدث في الأيام المقبلة. وكان
ترامب قد أمر بتنفيذ الغارة الأميركية الجريئة في الثالث من كانون الثاني، والتي أسفرت عن قيام القوات الخاصة الأميركية باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده إلى مركز احتجاز في نيويورك، منهيةً بذلك فعلياً 13 عاماً من حكمه".
وبحسب الصحيفة، "كانت هذه الخطوة بمثابة قنبلة جيوسياسية، والتعبير الأكثر وضوحاً عن رغبة ترامب في الهيمنة على نصف
الكرة الأرضية، وقد امتدت آثارها إلى غرينلاند وإيران. وجدد ترامب يوم الثلاثاء دعمه للانتفاضة، وحثّ المتظاهرين المناهضين للحكومة على "السيطرة" على مؤسسات الدولة، مؤكداً أن "المساعدة في طريقها"، كما ويلوح في الأفق شبح التدخل العسكري الأميركي. ثمة اختلافات واضحة بين الظروف السياسية في كلا البلدين، وكذلك بين هامش المناورة المتاح للولايات المتحدة في كلا السياقين، لكن حرص ترامب على فرض إرادته في الخارج أمرٌ جليّ، ومع ذلك، فإنّ النتيجة النهائية الظاهرة في كاراكاس، والتي شهدت تعاون ترامب مع فلول نظام مادورو وتهميش المعارضة المؤيدة للديمقراطية في فنزويلا، قد تكون عبرةً للمتظاهرين في
إيران".
وتابعت الصحيفة، "أشارت كيرستن فونتينروز، الباحثة غير المقيمة في المجلس الأطلسي والتي ساهمت في تنسيق سياسة
الشرق الأوسط في البيت الأبيض خلال ولاية ترامب الأولى، إلى أن "قضية مادورو ذات أهمية استراتيجية لا تُعتبر نموذجاً بقدر ما هي إشارة". وأضافت: "إنها تُشير إلى استعداد
الولايات المتحدة للتحرك بحزم ضد القادة الذين سبق تجريمهم وفرض عقوبات عليهم، بدلاً من السماح باستمرار المواجهات على افتراض أن خطر التصعيد وحده كفيل بردع أي تحرك"."
وبحسب الصحيفة، "ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان ترامب سيلجأ إلى شكل من أشكال العمل العسكري ضد إيران، وتشير التقارير إلى أن الحلفاء العرب الإقليميين متخوفون من التدخل الأميركي، ويرى المحللون نظاماً فقد شرعيته، وثورة شعبية تطالب بإسقاطه، لكن المؤسسة الدينية وجهازها العسكري ما زالا متجذرين بقوة يصعب إزاحتهما. يبدو أن ترامب يميل إلى الضربات العسكرية الخاطفة والحاسمة، كإسقاطه لنظام مادورو، على سبيل المثال، أو الهجوم الخاطف الذي شنته الولايات المتحدة على المنشآت النووية
الإيرانية الصيف الماضي، ولكنه أقل حماساً للمواجهات المعقدة والمطولة. ويرى المحللون أن الهزيمة الكاملة للنظام الإيراني لا يمكن أن تتحقق بالغارات الجوية وحدها".
وتابعت الصحيفة، "يُعلن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي عن تحديه علنًا، لكن حكومته تتواصل مع الولايات المتحدة عبر قنوات دبلوماسية غير رسمية، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، هذا الأسبوع: "ما تسمعونه علنًا من النظام الإيراني يختلف تمامًا عن الرسائل التي تتلقاها الإدارة سرًا. أعتقد أن الرئيس مهتم باستكشاف هذه الرسائل". وتنتشر التكهنات حول اتفاق دبلوماسي محتمل، وكتب داني "دينيس" سيترينوفيتش، وهو مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق وخبير في الشؤون الإيرانية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "من المرجح أن يدرك عدد كبير من الفاعلين داخل إيران مدى ضيق هامش المناورة المتاح للنظام الثوري". وأضاف: "حتى لو تم قمع الاحتجاجات بنجاح، فإن المشاكل الهيكلية الأساسية في إيران ستظل قائمة دون حل. وفي ظل هذه الظروف، قد تلوح في الأفق فرصة سانحة، وربما حتى قدر من الشرعية الداخلية لدفع المرشد نحو اتفاق شامل يتضمن التخلي عن التخصيب"."
وأضافت الصحيفة، "هنا يبرز احتمال حدوث سيناريو مشابه لما حدث في فنزويلا. ويبدو أن إدارة ترامب قد توصلت إلى اتفاق مع خليفة مادورو المؤقتة، نائبة الرئيس السابقة ديلسي رودريغيز، مقابل سيطرة الولايات المتحدة على صادرات النفط الفنزويلية. ربما يتطلع ترامب إلى ترتيب مماثل مع إيران الغنية بالنفط، وقد يشعر النظام المعزول في البلاد، الذي يعاني من العقوبات ويواجه كارثة اقتصادية في الداخل، بأنه مضطر إلى الامتثال.
كتب علي ألفونه، الباحث البارز في معهد دول الخليج العربية، وهو مركز أبحاث: "لتحقيق استقرار النظام، يجب معالجة نظام العقوبات، الأمر الذي يتطلب بدوره الانخراط مع
واشنطن". وأضاف: "لا يزال من الممكن التوصل إلى ترتيب على غرار النموذج الفنزويلي: حيث يمكن للقيادة الجماعية في إيران تهميش أو إزاحة خامنئي، وفتح مفاوضات مع ترامب، ودعوة شركات النفط الأميركية للعودة إلى إيران، وتأمين تخفيف العقوبات بما يكفي لتحقيق استقرار الاقتصاد"."
وبحسب الصحيفة، "هناك العديد من الأسباب التي تجعل هذا الاحتمال مستبعدًا. وكتبت سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز: "خامنئي متقدم في السن ويمكن الاستغناء عنه بسهولة، لكن بنية السلطة الهائلة التي يرأسها محاصرة بتواطئها واعتمادها الأساسي على معاداة أميركا". وأضافت: "يدرك جميع أتباع آية الله أنهم سيغرقون مع السفينة، ولهذا السبب التزم الإصلاحيون الإيرانيون الصمت طوال حملة القمع الدموية الأخيرة". وقال
آلان آير، الباحث في معهد الشرق الأوسط والدبلوماسي الأميركي السابق المتخصص في الشأن الإيراني، إنه لا يعتقد أن سيناريو مشابهاً لما حدث في فنزويلا "محتمل" على المدى القريب. وأضاف: "يبدو أن ترامب مهتم الآن أكثر بزيادة الضغط على النظام، الذي يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم مع استمرار الاحتجاجات". وتابع قائلاً: "لا أعتقد أن هذا النظام مستعد حالياً لإجراء التغييرات اللازمة في هيكل سلطته لحث الرئيس ترامب على السعي إلى التوصل إلى حل وسط. لكن الوضع متقلب للغاية والحقائق تتغير يوماً بعد يوم"."
وتابعت الصحيفة، "أما مؤيدو ترامب، فلهم أهداف مختلفة في ما يتعلق بالسابقة التي أرستها فنزويلا. وقال ماثيو كرونيغ، الذي عمل في البنتاغون خلال الولاية الأولى لترامب، لمجلة فورين بوليسي: "قد تكون كوبا هي الوجهة التالية. فالحكومة الكوبية تعاني بالفعل من ضغوط كبيرة بسبب سوء الإدارة الاقتصادية، ولكن هناك ضغوط إضافية الآن مع قطع إمدادات النفط الفنزويلي... أعتقد أن هناك تركيزًا على تطبيق النموذج الفنزويلي في هافانا"."