كتبت "آرم نيوز": أثار قرار الحكومة العراقية باستلام عناصر "داعش" من سوريا جدلًا سياسيًّا وشعبيًّا واسعًا، معتبرين إياه أزمة جديدة تُضاف إلى الملفات الثقيلة التي تواجهها البلاد في وقت تشهد فيه مرحلة من عدم الاستقرار السياسي وتراجع القدرة على حسم المسارات الحكومية.
ومن المتوقع أن تتسلم السلطات العراقية نحو 7 آلاف عنصر من "داعش" على مراحل خلال الأشهر المقبلة، وفق ترتيبات سياسية وقضائية محددة.
ويأتي هذا التطور في وقت بالغ التعقيد، حيث لم تتضح بعد ملامح التحالفات الحكومية القادمة، وسط خلافات بين القوى الرئيسية بشأن شكل السلطة وتوزيع النفوذ ودور الأطراف الأخرى، رغم الاتفاق على تكليف نوري المالكي برئاسة الحكومة المقبلة.
ويشير خبراء إلى أن التعامل مع ملف "داعش" في هذه المرحلة لا يقتصر على كونه تحديًا أمنيًّا فحسب، بل يتحول إلى عنصر ضغط إضافي على منظومة سياسية تعاني أصلاً من تشظي القرار وتعدد مراكز النفوذ.
كما أن إدارة الملف تتقاطع مع نقاشات أوسع حول علاقة بغداد بالولايات المتحدة، ومستقبل الوجود الدولي في العراق، وحدود القرار السيادي في القضايا الإقليمية، ما يجعل ملف المعتقلين ورقة سياسية قابلة للاستخدام مجددًا ضمن الصراعات الداخلية.
ساحة ضغط وليس مواجهة
بدوره، قال الباحث في الشؤون الإستراتيجية خالد الغريباوي لـ"إرم نيوز" إن "اختيار العراق تحديدًا لم يكن عشوائيًّا ولا لأنه الأكثر قدرة على الاحتواء، بل لأنه الحلقة الأنسب للاستخدام"، مبينًا أن "العراق ساحة ضغط وليس ساحة مواجهة، تسمح بخلق توتر منخفض الشدة دون انفجار شامل".
وأضاف، أن "العراق يعد عقدة الربط الإقليمي بين
إيران وسوريا والخليج وتركيا؛ ما يجعل أي خلل فيه مؤثرًا على أكثر من مسار في آن واحد"، لافتًا إلى أن "بيئته الداخلية متعددة الأطراف وقابلة للاختراق سياسيًّا وأمنيًّا؛ ما يسمح بإعادة تدوير الخطر دونَ تدخل خارجي مباشر، مع تحميل الكلفة كاملة للدولة العراقية، بينما تحتفظ
واشنطن بإدارة المشهد من الخلف".
وأشار إلى أن "نقل داعش يُبقي بغداد داخل معادلة التوازن القسري، ويمنع تثبيت أي قرار مستقل خارج السقف الأمريكي"، محذرًا من أن "هذا المسار يضع العراق أمام تحديات سياسية مركبة إذا لم يدَر الملف بحذر".
ارتدادات داخلية محتملة
تتزايد المخاوف داخليًا من أن يتحول ملف "داعش" إلى عامل يفاقم حالة الاضطراب السياسي، لا سيما مع تصاعد الجدل حول أولويات الحكومة المقبلة، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستمرة.
ويعتقد مراقبون أن أي إخفاق في إدارة هذا الملف قد يُستغل لاحقًا كورقة ضغط في الصراعات السياسية، سواء أثناء تشكيل الحكومة أو عند اختبار شرعيتها.
كما تتصاعد التحذيرات من أن إعادة فتح ملف "داعش"، حتى بشكل غير مباشر، قد يُعيد إلى الواجهة ذاكرة اجتماعية مثقلة بالخوف والصدمة، ما ينعكس سلبًا على المزاج العام ويزيد حالة القلق السياسي، خصوصًا مع وصول رئيس ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي إلى السلطة، المعروف بعقليته المتصلبة، بحسب متابعين.
عبء سياسي جديد
من جانبه، قال الباحث في الشأن السياسي محمد التميمي، إن "ما جرى أضفى ثقلًا جديدًا على العراق، وربما يخلق أزمة إضافية في ظل الخلافات السياسية القائمة بشأن الحكومة المقبلة".
وأوضح لـ"إرم نيوز" أن "الملف لا يتوقف عند حدوده الأمنية، بل يمتد إلى تأثيرات سياسية واجتماعية، قد تزيد حدة الاستقطاب الداخلي، وتضع الحكومة أمام تحديات تتعلق بإدارة الرأي العام، وطمأنة الشارع، والحفاظ على التوازنات القائمة".
وأضاف التميمي أن "القلق الاجتماعي الناتج عن هذا الملف قد يتقاطع مع أزمات أخرى يعيشها العراقيون؛ ما يجعل أي خطأ في المعالجة مكلفًا سياسيًّا"، مؤكدًا أن "غياب رؤية معلنة وواضحة لإدارة ملف المعتقلين يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، ويزيد منسوب الشك داخل المشهد السياسي".
وما زاد حالةَ الإرباكِ هو تضارب التصريحات الرسمية بشأن مواقع إيواء عناصر "داعش"، ففي وقت تحدث فيه مستشارون حكوميون عن نية الحكومة إيداعهم في سجون "كروبر" ببغداد، و"الحوت" في الناصرية، و"سوسة" في السليمانية، أشارت
وزارة الداخلية في تصريحات أخرى إلى أن المعتقلين سيُوزعون على سجون تقع في محافظات نينوى، وبابل، والناصرية؛ ما عمّق حالة الغموض والجدل المحيطة بالملف. (آرم نيوز)