حذّر تحليل نشرته مجلة "Foreign Affairs" من أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم تعد تتجه نحو "ضربة حاسمة".
وبحسب التحليل، فإن الحرب "تنزلق تدريجيًا نحو نمط استنزاف طويل الأمد يشبه إلى حد كبير الحرب الروسية في أوكرانيا، مع ما يحمله ذلك من مخاطر استراتيجية تتجاوز ساحة القتال إلى الاقتصاد والتحالفات الدولية".
وذكر التحليل أن "إدارة الرئيس الأميركي
دونالد ترامب دخلت الحرب على أساس افتراض أن تكثيف الضربات الجوية واستهداف القيادات والبنية العسكرية سيؤديان إلى إضعاف سريع للنظام
الإيراني، ويفرضان واقعًا جديدًا يُجبر طهران على التراجع أو القبول بشروط سياسية جديدة".
ويستند هذا النهج إلى نموذج عمليات اعتمدته
واشنطن في السنوات الأخيرة، يقوم على "الضربة القاصمة" بدلاً من الانخراط في حروب طويلة، كما حصل في محاولات الضغط على نيكولاس مادورو في فنزويلا.
لكن التجربة
الإيرانية، وفق التحليل، أظهرت حدود هذا النموذج، إذ تمتلك طهران، بخلاف كراكاس، أدوات ردع إقليمية وقدرة على إطالة أمد الصراع.
تحوّل جذري
يشير التقرير إلى أن أحد أبرز التحولات في مسار الحرب يتمثل في انتقالها من محاولة "كسر النظام" إلى حالة جمود عملياتي. فبالرغم من نجاح القوة الجوية الأميركية–
الإسرائيلية في إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية الإيرانية، إلا أنها لم تتمكن من شلّ قدرة طهران على الرد.
ولا تزال
إيران قادرة على تنفيذ هجمات متقطعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ليس بهدف تحقيق تفوق عسكري مباشر، بل لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي لدى خصومها ورفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب.
في المقابل، نجحت أيضاً في تعطيل جزء كبير من تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما دفع الصراع إلى التحول نحو أزمة عالمية تؤثر في أسواق النفط وسلاسل الإمداد.
وبحسب التحليل، يعكس هذا النمط من المواجهة منطقاً معروفاً في الحروب غير المتكافئة، حيث يعوّض الطرف الأضعف عسكرياً هذا الفارق عبر إطالة أمد الصراع وزيادة كلفته.
النموذج الأوكراني
تلفت المجلة إلى أن أوجه الشبه مع الحرب في أوكرانيا لا تقتصر على الجمود العسكري، بل تشمل طبيعة الصراع نفسه. ففي الحالتين، راهن الطرف المهاجم على ضربة سريعة تُسقط الخصم أو تدفعه إلى التراجع، لكن النتيجة كانت حرب استنزاف مفتوحة.
وكما وجدت موسكو نفسها عاجزة عن تحقيق نصر حاسم رغم تفوقها العسكري، تواجه واشنطن معضلة مماثلة، إذ لا توجد آلية واضحة لتحويل التفوق الجوي إلى نتيجة سياسية نهائية.
وتؤكد المجلة أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط عبر السيطرة على الأرض أو تدمير القدرات العسكرية، بل باتت ترتبط بمدى القدرة على الصمود الاقتصادي والسياسي، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وشبكة التحالفات الدولية.
قيود الحسم العسكري
يرى التحليل أن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لكسر الجمود محدودة. فاللجوء إلى عمليات برية واسعة يبدو مستبعداً، ليس فقط بسبب كلفته السياسية داخلياً، بل أيضاً نتيجة التعقيدات الجغرافية في إيران، التي تجعل أي تدخل بري أكثر صعوبة مقارنة بتجارب سابقة مثل العراق.
كما أن غياب قواعد برية قريبة، واتساع الأراضي الإيرانية، وكثافة السكان، كلها عوامل تقلّص فرص نجاح أي سيناريو حسم عسكري تقليدي.
في المقابل، أثبتت القوة الجوية، كما في أوكرانيا، أنها أداة فعالة للضغط، لكنها نادراً ما تكون حاسمة بمفردها.
ويبرز التحليل مفهوماً محورياً في الاستراتيجية الإيرانية يُعرف بـ"حرب الألم"، يقوم على رفع كلفة الحرب على الخصوم بدلاً من تحقيق نصر عسكري مباشر. ويتجلى ذلك في استهداف البنية الاقتصادية بشكل غير مباشر، عبر تعطيل التجارة، ورفع أسعار الطاقة، والضغط على شركاء واشنطن في الخليج.
ولا يقتصر تأثير هذا النهج على المنطقة، بل يمتد إلى أوروبا وآسيا، حيث بدأت تداعياته تظهر من خلال ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تآكل الدعم الدولي للولايات المتحدة، وهو عامل حاسم في مثل هذه النزاعات.
ويحذّر التحليل من أن تجاهل هذه الدينامية قد يدفع بعض الحلفاء إلى إعادة النظر في تعاونهم العسكري أو تقليص انخراطهم، خصوصاً إذا تحولت الحرب إلى عبء اقتصادي طويل الأمد.
الأهداف والمخرج
من أبرز نقاط الضعف التي يسلط عليها التحليل الضوء غياب تعريف واضح لما يشكّل "النصر". فكما في الحالة الروسية في أوكرانيا، تسعى واشنطن إلى أهداف واسعة، مثل تغيير سلوك إيران أو تقليص نفوذها الإقليمي، دون تحديد دقيق لما يكفي لتحقيق هذه الغاية.
هذا الغموض، بحسب المجلة، ينشئ ميلًا مستمرًا نحو التصعيد، حيث يصبح كل إنجاز عسكري غير كافٍ، ما يطيل أمد الحرب ويزيد كلفتها.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى التحليل أن تجنب الانزلاق إلى "مستنقع استراتيجي" يتطلب تحولًا في المقاربة، من السعي إلى الحسم العسكري إلى البحث عن تسوية سياسية.
وقد يشمل ذلك وقفًا لإطلاق النار مقابل قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك تقليص دائم لقدرات التخصيب، ونقل المخزون عالي التخصيب، وفرض حدود على الترسانة الصاروخية.
ورغم أن مثل هذه التسوية لن تقضي بالكامل على التهديد الإيراني، فإنها قد تحقق هدفًا أكثر واقعية يتمثل في احتواء المخاطر بدلًا من محاولة
القضاء عليها بالكامل.
كلفة الاستمرار
ويخلص التحليل إلى أن البدائل المتاحة أمام واشنطن، سواء الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة أو السعي إلى تغيير النظام، تنطوي على مخاطر أعلى بكثير من خيار التسوية.
فالحروب الطويلة، كما تظهر تجربة أوكرانيا، لا تستنزف الجيوش فقط، بل الاقتصادات والتحالفات والقدرة السياسية على الاستمرار. ومع مرور الوقت، تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التنازل.
في هذا السياق، ترى المجلة أن القبول بنتيجة أقل من "النصر الكامل" لا يعني الهزيمة، بل قد يكون الخيار الأكثر اتساقًا مع أهداف الاستقرار الإقليمي والحفاظ على النفوذ الأميركي.