كتب داوود رمال في" نداء الوطن": المعطيات المتقاطعة لدى الأوساط الدبلوماسية والمرجعيات الرسمية، تؤكد بما لا يقبل الالتباس، أن " الميكانيزم" باقية، وأن الحفاظ عليها من منطلق سياسي أو لحاجات حمائية نسبيًا، هو مصلحة لبنانية خالصة من الدرجة الأولى، وأن أي جهة داخلية تُسوّق لفكرة تجميدها أو الإطاحة بها ستكتشف قريبًا جدًا أن البديل المطروح أخطر بكثير مما تتصوره أو تتمناه.
في هذا السياق، جرى تضخيم اضطرار رئيس لجنة «الميكانيزم»، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، إلى مغادرة
لبنان خلال فترة الأعياد، ناهيك عن مهامه في القيادة العسكرية الأميركية الوسطى، على أنه مؤشر تعطيل أو شلل. غير أن الوقائع تفيد بأن عمل اللجنة لم يتوقف، بل استمر بالزخم نفسه من خلال مساعده، وأن غياب الاجتماعات في المرحلة الراهنة لا يعكس أزمة بنيوية، بل تزامنًا زمنيًّا مع استحقاق سياسي - عسكري منتظر وبالغ الأهمية، يتمثل في عودة
قائد الجيش العماد رودولف هيكل من
الولايات المتحدة، وقيامه بعرض خطة الجيش لحصرية السلاح شمال الليطاني على
مجلس الوزراء. بعد هذا
العرض، تعود اجتماعات اللجنة مطلع الشهر المقبل، في لحظة مفصلية ستعيد تثبيت دورها كحلقة وصل إلزامية بين الداخل اللبناني والمجتمع الدولي.
في المقابل، يتقاطع موقف طرفين متناقضين في الأهداف ومتقاطعين ظرفيًا في الهدف على رفض «الميكانيزم».
إسرائيل، من جهة، ترى فيها قيدًا على طموحها بالانتقال إلى مفاوضات مباشرة على مستوى وزاري، برعاية أميركية، وعلى غرار المسار الذي تنتهجه مع
سوريا، ويفضل
الإسرائيلي أن تكون هذه المفاوضات في عاصمة إقليمية أو دولية، بما يكرّس تطبيعًا سياسيًا مقنعًا ويفرض وقائع تفاوضية جديدة على لبنان. ومن جهة أخرى، يعتبر «حزب الله» أن دور «الميكانيزم» انتهى مع انتهاء نزع السلاح جنوب الليطاني، وأن المطلوب اليوم هو انسحاب إسرائيل ووقف العمليات العدائية وإطلاق الأسرى، مؤكدًا أن شمال الليطاني يدخل ضمن «استراتيجية الأمن الوطني»، وأنه لن يسلّم «رصاصة واحدة» في هذه المنطقة.
غير أن ما يغيب عمدًا عن هذا السجال، هو أن كل دول العالم، من دون استثناء، متمسكة بـ «الميكانيزم»، وأن لبنان الرسمي يتمسك بها لأنها الإطار الوحيد المتاح للتفاوض غير المباشر مع إسرائيل. وأي بحث بخيارات بديلة، تحت أي عنوان أو ذريعة، يعني عمليًّا الذهاب إلى تفاوض مباشر لا يريده لبنان ولا يستطيع تحمّل كلفته السياسية والسيادية، خصوصًا في ظل اختلال موازين القوى والضغوط الدولية المتصاعدة.
لذلك؛ إن معركة «الميكانيزم» هي على شكل الصراع وإدارته وحدوده. ومن يراهن على إسقاطها، داخليًا أو خارجيًا، لا يغامر فقط بإطار تفاوضي قائم، بل يفتح الباب أمام بدائل أكثر خطورة، تبدأ بالتفاوض المباشر ولا يُعرف أين تنتهي. وفي هذا المعنى، فإن بقاء «الميكانيزم» ليس انتصارًا لها كآلية، بل انتصار لفكرة حماية لبنان من أسوأ الخيارات الممكنة.