تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

موازنة 2026.. فائض شكلي و إدارة للأزمة بدلا من مشروع إنقاذ

هتاف دهام - Hitaf Daham

|
Lebanon 24
02-02-2026 | 03:00
A-
A+
موازنة 2026.. فائض شكلي و إدارة للأزمة بدلا من مشروع إنقاذ
موازنة 2026.. فائض شكلي و إدارة للأزمة بدلا من مشروع إنقاذ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يكن إقرار مشروع موازنة عام 2026 في الهيئة العامة للمجلس النيابي، في جلستها المنعقدة بتاريخ 29 كانون الثاني 2026، حدثًا تشريعيًا عاديًا. فبعد ثلاثة أيام من الجلسات التي شهدت أكثر من ستين مداخلة نيابية، أُقرّ المشروع في أجواء مشحونة بالتوتر والضغط، عكست حجم الأزمة المالية والاجتماعية التي يعيشها لبنان.
فخارج أسوار المجلس، كانت تحركات موظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين تضغط بقوة على المشهد السياسي، فيما في الداخل، طغت حالة من الارتباك والفوضى على النقاشات، ما حال دون إجراء حوار جديّ وهادئ حول مضمون الموازنة وأولوياتها. وعلى مستوى المضمون، جاءت التعديلات محدودة للغاية، واقتصرت على عدد قليل من المواد، أبرزها إسقاط المادة التي كانت تقترح إلغاء الرقابة على الهبات العينية، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لتفادي مزيد من التفلت في إدارة المال العام. كما شملت التعديلات تعليق المبلغ المخصّص لإيجار مبنى “الإسكوا”، بعد إعادة فتح ملف بدلات الإيجار المرتفعة التي تُدفع لشركة “سوليدير” منذ سنوات.

أُقرّت الموازنة في مناخ أقرب إلى تسوية اضطرارية منه إلى عملية تشريعية طبيعية، فالنقاش الحقيقي حول الإصلاحات البنيوية، وضبط الإنفاق، وإعادة هيكلة المالية العامة، بقي مؤجّلًا، فيما طغت الاعتبارات السياسية والظرفية على مضمون القرار المالي الأهم في الدولة
ولذلك تبدو الموازنة المُقرّة أقرب إلى موازنة أزمة منها إلى موازنة إنقاذ، إذ تكشف عن افتقار واضح لرؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة تستشرف واقع الدولة المالية وتحدياتها البنيوية. فهي لا تنطلق من خطة إصلاحية شاملة، بل تكتفي بإدارة الأزمة ضمن حدود ضيقة، دون معالجة جذورها العميقة.
ومن الإيجابيات التي روّجت لها الحكومة في سياق إقرار الموازنة تحقيق فائض أولي دون عجز ظاهر، وهو عنصر مهم في ثقافة الإدارة المالية التي يشترطها المجتمع المالي الدولي كمؤشر على الانضباط النسبي. كما أشارت وزارة المال إلى زيادة الإيرادات الحكومية بنسبة تقارب أربعة في المئة من الناتج المحلي، إضافة إلى الاستمرار في سياسة التوافق مع المؤسسات الدولية عبر التمويل الخارجي والقروض التي تشكل دعامة أساسية لتمويل العجز الإضافي في الاستثمارات والخدمات. ويظهر هذا المسار قدرة محدودة على الوفاء ببعض الالتزامات قصيرة الأجل، ويمنح صورة شكلية عن استقرار الحسابات المالية، ما يلقى قبولًا لدى بعض جهات التمويل الدولية.
غير أن قراءة معمّقة لأرقام الموازنة تكشف في المقابل، بحسب استاذ الاقتصاد السياسي محمد موسى عن مجموعة من السلبيات والخروقات الجوهرية التي تنطوي على مخاطر مالية واجتماعية وسياسية حقيقية. فالموازنة لا تستند إلى رؤية إصلاحية بنيوية، بل تبدو استمرارا لسياسة تجميد الإنفاق والحفاظ على الوضع القائم، مع إدخال تعديلات شكلية على الرواتب والاعتمادات، ما يعكس نهج “الترقيع” بدل الإصلاح الحقيقي.
ومن أبرز مواطن الخلل. بحسب موسى، غياب المعالجة الجدية للفجوة المالية البنيوية في الدولة اللبنانية، المتمثلة بالتزامات ضخمة مثل إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز، وحصة لبنان من حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي المقدّرة بنحو مليار دولار، والتي تكلّف الخزينة قرابة 40 مليون دولار سنويًا، فضلًا عن تكاليف استيراد الفيول والتزامات أخرى متراكمة. وتبيّن هذه الأرقام أن الموازنة لم تتعامل مع جوهر أزمة الدين العام وخدمة الالتزامات، بل تركت هذه التحديات تتفاقم.
أما على صعيد العلاقة مع صندوق النقد الدولي، فلم تتضمن الموازنة تنفيذًا واضحًا لشروط الإصلاح المطلوبة لإقرار برنامج متكامل مع الصندوق، بل استمر التوجّه نحو الاعتماد على القروض الخارجية لتمويل الاستثمار والتنمية، ما يعمّق التبعية لمصادر تمويل غير مستقرة، بدل اعتماد إصلاحات هيكلية تعالج الاختلالات الضريبية والمالية. ورغم أن المفاوضات لا تزال مفتوحة، إلا أنها تصطدم بتحدي عدم إضافة أعباء جديدة، في ظل المطالب المتزايدة للقطاعات التي نزلت إلى الشارع.
ومن جهة أخرى، جاءت مخصصات الإنفاق الاجتماعي والاستثماري محدودة، إذ تستحوذ النفقات التشغيلية والجارية على نحو 88.9 في المئة من إجمالي الإنفاق، مقابل 11.1 في المئة فقط للنفقات الاستثمارية، ما يعكس خللًا واضحًا في توزيع الموارد وعدم توجيهها نحو أولويات التنمية المستدامة.
وقد انعكس هذا الواقع المالي والاجتماعي مباشرة في تحركات العسكريين المتقاعدين والأساتذة والموظفين المدنيين، الذين طالبوا بتصحيح رواتبهم في ظل انهيار القدرة الشرائية. إلا أن الموازنة لم تستجب لهذه المطالب بشكل فعلي، واكتفت بتعهدات مؤجلة بالتفاوض، ما يعكس ضعفًا في الاستجابة لمتطلبات الكرامة الوظيفية والعيش الكريم.
وعليه، تبرز معضلة اتخاذ قرارات مالية “في الهواء” دون قاعدة رقمية مستقرة، وهو ما يتجلى بوضوح في موازنة 2026. فالاعتماد على التمويل الخارجي بدل المعالجات الهيكلية، وغياب خطة واضحة لضبط الإنفاق وتحسين النظام الضريبي، قد يؤدي، كما يقول موسى، إلى تراكم عجز جديد في السنوات المقبلة، ويرفع من مخاطر التعثّر في السداد. كما أن الفجوة بين الإيرادات المتوقعة والنفقات الفعلية، بالتزامن مع الديون المتراكمة والتزامات إعادة الهيكلة، تجعل تنفيذ الموازنة مهمة معقّدة، وقد تفرض، كما يشير موسى، تدخلات مؤلمة تشمل مزيدًا من التقشف أو زيادة الضرائب أو إعادة جدولة الديون بشروط أقل ملاءمة للمواطنين، ما ينذر بتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية مستقبلًا.
وفي ضوء ما سبق، يرى موسى، إن الموازنة تحمل بعض الإيجابيات الشكلية، مثل تحقيق فائض أولي وزيادة نسبية في الإيرادات وتعزيز التعاون الدولي، إلا أن سلبياتها البنيوية وتأجيل الحلول الجذرية للفجوة المالية، وضعف الدعم للفئات الأكثر تضررًا، وغياب خطة إصلاحية متكاملة تتوافق مع متطلبات صندوق النقد الدولي، تجعل تنفيذها محفوفًا بالمخاطر.
ولذلك تظهر الموازنة بوصفها وثيقة تحفظ استقرارًا قصير الأمد، لكنها تفتقر، كما يؤكد موسى، إلى المعالجة الهيكلية لأزمات الاقتصاد اللبناني. إن استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي دون إصلاح فعلي قد يؤدي إلى تفجّر أزمات مالية واجتماعية أكثر حدّة في المستقبل القريب، ما يستدعي مراجعة عميقة للسياسات المالية والاقتصادية بما يحقق الاستدامة والعدالة الاجتماعية.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

هتاف دهام - Hitaf Daham