مع دخول
سوريا مرحلة اقتصادية جديدة تقوم على توسيع دور القطاع الخاص وفتح الباب أمام الاستثمارات العربية والأجنبية، يجد القطاع الخاص اللبناني نفسه أمام واحدة من أكبر الفرص الاستثمارية منذ عقود. فبعد
سنوات من الحرب والانكماش الاقتصادي، تتجه
دمشق إلى إعادة بناء اقتصادها على أسس جديدة، واضعة الاستثمار والإنتاج والشراكة مع القطاع الخاص في صلب رؤيتها للتعافي الاقتصادي.
وتكتسب هذه الفرصة أهمية خاصة للبنان، ليس فقط بحكم الجغرافيا والحدود المشتركة، بل أيضاً بسبب العلاقات التجارية التاريخية بين البلدين، والخبرة التي تمتلكها الشركات
اللبنانية في قطاعات الخدمات والمصارف والهندسة والسياحة والعقارات والاستشارات والإدارة
مرحلة اقتصادية جديدة
المؤشرات الصادرة عن الحكومة
السورية خلال الأشهر الماضية تؤكد انتقال البلاد إلى نموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً، يقوم على منح القطاع الخاص دوراً قيادياً في التنمية، فيما يقتصر دور
الدولة على التنظيم والتشريع وتأمين البيئة الاستثمارية. وقد انعكس ذلك في المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص، الذي ركز على إزالة العوائق أمام المستثمرين، وتطوير التشريعات، وتحسين بيئة الأعمال، واستقطاب الرساميل.
كما تكثفت اللقاءات الرسمية بين هيئة الاستثمار السورية والجانب اللبناني لبحث توسيع الشراكات الاقتصادية وتعريف المستثمرين اللبنانيين بالفرص المتاحة في مختلف المحافظات السورية.
أين تكمن الفرص أمام المستثمر اللبناني؟
ترى الأوساط الاقتصادية أن الشركات اللبنانية تمتلك أفضلية نسبية مقارنة بمستثمرين آخرين، نتيجة المعرفة بالسوق السورية وسهولة التواصل وتداخل الأسواق.
ومن أبرز القطاعات المرشحة لاستقطاب الرساميل اللبنانية:
* مشاريع
إعادة الإعمار والبنى التحتية.
* الصناعات الغذائية والدوائية.
* السياحة والفنادق والمطاعم.
* التطوير العقاري.
* الخدمات المصرفية والمالية عند اكتمال الإصلاحات.
* الخدمات اللوجستية والنقل البري.
* التكنولوجيا والتحول الرقمي.
* التعليم والاستشفاء والخدمات الطبية.
ويؤكد خبراء أن سوريا ستكون خلال السنوات المقبلة واحدة من أكبر ورش إعادة الإعمار في المنطقة، وهو ما يفتح المجال أمام شركات المقاولات والهندسة والاستشارات اللبنانية للمشاركة في مشاريع ضخمة.
مكاسب للبنان أيضاً
لا تقتصر أهمية الانفتاح السوري على المستثمرين، بل تمتد إلى الاقتصاد اللبناني نفسه، الذي يعاني من ركود حاد وتراجع في الاستثمارات المحلية.فانخراط الشركات اللبنانية في السوق السورية يمكن أن ينعكس من خلال:
* توفير فرص عمل جديدة.
* زيادة الصادرات اللبنانية.
* تنشيط المرافئ والنقل البري.
* تعزيز حركة الترانزيت نحو
الدول العربية.
* استقطاب شراكات إقليمية مشتركة بين رجال الأعمال في البلدين.
كما يمكن للبنان أن يستعيد دوره كمركز للخدمات والاستشارات والإدارة والتمويل المرتبط بالمشاريع السورية، إذا نجح في استثمار هذه المرحلة.
تحديات لا تزال قائمة
ورغم الفرص الكبيرة، فإن الطريق لا يزال يحتاج إلى معالجة عدد من الملفات، أبرزها تحديث الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين، وتوفير ضمانات قانونية للمستثمرين، وتسهيل التحويلات المالية، وتطوير المعابر الحدودية، إضافة إلى الاستقرار الأمني والإداري الذي يشكل عاملاً أساسياً في جذب الرساميل.
وتشير المناقشات التي شهدها مؤتمر القطاع الخاص السوري إلى أن الحكومة تدرك هذه التحديات، وتعمل على مراجعة البيئة التشريعية وتحسين مناخ الاستثمار لتسهيل دخول المستثمرين المحليين والعرب.
سباق مبكر على السوق السورية
في ظل الاهتمام العربي والإقليمي المتزايد بالاستثمار في سوريا، تبدو المنافسة على المشاريع المقبلة قد بدأت بالفعل. ولذلك، يرى مراقبون أن القطاع الخاص اللبناني أمام نافذة زمنية قد لا تكون طويلة، إذ إن التأخر في دخول السوق قد يعني خسارة أفضل الفرص لمصلحة مستثمرين من دول أخرى.
وبينما تشهد سوريا نهضة اقتصادية تدريجية قائمة على إعادة هيكلة الاقتصاد وإعطاء القطاع الخاص دوراً محورياً، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة رجال الأعمال اللبنانيين على الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الشريك في إعادة بناء الاقتصاد السوري، بما يحقق منفعة متبادلة للبلدين ويعيد وصل ما انقطع بين السوقين اللتين لطالما شكّلتا فضاءً اقتصادياً متكاملاً.