كتب أيمن عبدالله في "الديار": لم يعد مقبولا استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه. وكأن المسؤولين عن لبنان لم يعد يعنيهم هذا البلد بقدر ما تعنيهم حصتهم منه، ولم يعد للمواطنين حيزا في تفكير هؤلاء، فباتوا مستعدين لتقبل الفراغ الحكومي الطويل على أن يتنازلوا قيد أنملة عن شروطهم الحكومية الصعبة.
لم يعد سرا على اللبنانيين أن ملف تشكيل الحكومة لم يعد أولوية، انما الاولوية أصبحت في "الانتصار" بمعركة الموقف. هكذا تصف مصادر سياسية المشهد في لبنان، مشيرة الى ان التحدي بين الاطراف اللبنانية بات في حده الأقصى، ولا يبدو أن أحدا يستعد للتنازل في القريب العاجل.
أوقفت القوات اللبنانية التفاوض الحكومي. قالت كلمتها بشأن مطالبها ومشت، فهي تعتبر أن التنازلات التي قدّمتها تفوق كل التنازلات الاخرى التي قدمها غيرها، لذلك أبلغت المعنيين بمسار التفاوض أن مطالبها الاخيرة تشكل سقفا أدنى لا تستطيع النزول تحته، طالبة من الرئيس المكلف سعد الحريري البحث عن الحل في مكان آخر.
من جهته يؤكد التيار الوطني الحر أن المعايير التي وضعها رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة يجب أن تُطبق، والا فلا داعي لأن تُشكل الحكومة. وهنا تقول المصادر: "يعلم القيمون على التيار أن الحكومة المقبلة ستعمّر طويلا وسيليها مباشرة حصول انتخابات نيابية ومن بعدها رئاسية وبالتالي فلا يمكن فصل مسارها عن مسار تحديد الاغلبية النيابية المقبلة ولعبة الحظوظ الرئاسية"، مشيرة الى أن رئيس حزب القوات سمير جعجع هو من حوّل الامور باتجاه المعركة الرئاسية وباتت كل حساباته تملك هدفا واحدا هو الرئاسة.
وتكشف المصادر أنه "بالنسبة للتيار الوطني الحر فإن البقاء في الفراغ الحكومي هو أفضل مئة مرة من حكومة لا تلبي طموحات العهد، ولا تعكس نتيجة الانتخابات النيابية الاخيرة"، مشددة على أن رئيس الجمهورية استلم الحكم ليعيد لرئاسة الجمهورية بريقها لا لكي يكون شاهد زور على تسلّط الآخرين.
وكما يتمسك التيار بمطالبه والقوات بشروطها، كذلك يزداد الحزب التقدمي الاشتراكي تصلبا في مطالبه الوزارية، وهنا يمكن القول أن الامور أصبحت أسوأ بعد الخلاف مع الوطني الحر حول مواقع وظيفية بالدولة. ترى المصادر أن ما حصل بين الفريقين في الآونة الأخيرة أظهر مدى هشاشة المؤسسات اللبنانية، وأكد أن ما كان ينادي به التيار مناف للواقع اذ انه منذ قدومه للسلطة في لبنان بات مشاركا في لعبة التحاصص اذ تبيّن أن وزراءه قد زرعوا في كل وزارة لهم موظفين، تماما كما كان يفعل غيرهم ولكن دون أن يتبجح هذا الغير بأنه يريد بناء دولة. وتضيف: "بدل أن ينهمك اللبنانيون في تشكيل حكومة تنقذهم من واقعهم السيىء يُشعلون المعارك الطائفية والحزبية لتدمير ما تبقى من هيبة لهذه الدولة ومن أسس لمؤسساتها ووزاراتها".
بظل هذا الواقع تكشف المصادر أن المرحلة المقبلة ستشهد عودة التشريع الى المجلس النيابي، خصوصا أن لبنان بات على أبواب تنفيذ مقررات المؤتمرات الدولية وعلى رأسها سيدر واحد، مشيرة الى أن رئيس المجلس نبيه بري اتفق مع الحريري وعون على إطلاق التشريع في الامور الاساسية خصوصا وان الدستور يحدد عمل المجلس النيابي، الذي هو سيد نفسه وهو في حالة انعقاد دائمة في ظل حالة تصريف الاعمال، مؤكدة أن غياب الحكومة لا يمنع أن يقوم المجلس النيابي بدوره كاملا.
الجديد في كل هذا هو ما تكشفه مصادر مقربة من الفريق الشيعي الذي يصر على اعتبار أيلول فرصة أخيرة لتشكيل الحكومة، تتغير بعده سبل التعاطي السياسي. وتضيف المصادر: "الفريق الشيعي يدرك خطورة بقاء لبنان من دون حكومة وهو الاحرص على انهاء الفراغ دون ان تكون له مصلحة مباشرة كونه الفريق الوحيد الذي كشف كل اوراقه باكرا وارتضى بالحصة الوزارية المعروفة رغم أن نتائج الانتخابات النيابية أعطته أكثر"، مشيرة الى أن فكرة زيادة الضغط الشعبي على معطلي تشكيل الحكومة تُدرس في اروقة هذا الفريق، ولكن إنضاج الفكرة لا يزال بحاجة الى وقت نظرا لحساسية أي تحرك قد يحصل.