إذا صحّت التوقعات، وإذا لم يطرأ في جلسة الإثنين ما ليس في الحسبان، يصبح العماد ميشال عون الرئيس الرابع عشر للجمهورية اللبنانية، وهو الرئيس الرابع، الذي يخرج من صفوف المؤسسة العسكرية، بعد اللواء فؤاد شهاب والعمادين اميل لحود وميشال سليمان، ولو بعد طول إنتظار، مع فارق أن الثلاثة انتقلوا من قيادة الجيش إلى الرئاسة الأولى، فيما انتظر العماد عون 28 سنة ليحقق حلمه، فيكون الرئيس الذي له حيثية تمثيلية وازنة على الساحة المسيحية، وهو الرئيس الوحيد الذي يعتلي الكرسي الرئاسي مدعومًا من أكثر كتلة نيابية مسيحية وثاني أكبر كتلة على مستوى الوطن بعد كتلة "المستقبل"، وهو أمر له أعتبارته الرئاسية.
وبين الرابية وبعبدا مسافة طريق لا تتخطى بضعة كيلومترات، ولكن إجتيازها تطلب سنتين ونصف السنة تقريبًا، وهي بدت محفوفة بكمّ هائل من المشاكل العالقة والمتراكمة، التي تنتظر الرئيس العماد، وقد لا يكون تأليف الحكومة العتيدة المفترض أن تُسند رئاستها للرئيس سعد الحريري، وما سيعترضها من تعقيدات، أول وآخر هذه المشاكل، ويأتي في طليعتها قانون جديد للإنتخابات النيابية، الذي لم يبصر النور لا في اللجان النيابية ولا على طاولة الحوار، مع ما يستتبع ذلك من مستلزمات إعادة مؤسسات الدولة إلى الخط المستقيم، بعد سنوات من الترهل والتراخي وتفشي الفساد في أكثر من دائرة رسمية.
فإذا استطاع رئيس الحكومة المكلف إجتياز إمتحان التأليف، وهو أمر مستبعد، إن لم تًحلّ عقدة الرئيس نبيه بري أولاً، فإن ما ينتظر العهد الجديد يتطلب جهودًا مضنية للتعويض على لبنان ما فاته خلال سنتين ونصف، وما تراكم من مشاكل معلقّة ومجيّرة من آخر سنتين من عهد الرئيس سليمان. فمن أين تكون البداية، وماذا يحمل الرئيس عون في جعبته من حلول يقول البعض إنها سحرية، وهو الآتي على حصان مثقل بالإتفاقات المسبقة، من ورقة مار مخايل وتفهم معراب إلى اتفاق "بيت الوسط"، وما بينهم من نقاط متناقضة ومتباعدة، قد تكون أكثرها صعوبة وتعقيدًا مسألة حياد لبنان الدولة عن الصراع الدائر في سوريا، ليبدأ العهد الجديد حيث انتهى العهد السابق بما سمي بـ"ورقة بعبدا"، وما تضمنته من ضرورة نأي لبنان بنفسه عما يجري في سوريا، وبقيت هذه الورقة حبرًا على ورق، وأدّت إلى ما أدّت إليه من مشاكل بينه وبين "حزب الله" حالت دون تمديد ولايته.
ومن بين الملفات التي سيرثها العهد الجديد تلك التي لها علاقة بالوضع الإقتصادي والإجتماعي، والتي ترتبط مباشرة بحياة الناس ومعيشتهم، والتي يُمكن أن يؤدي تفاقمها إلى إيصال البلاد إلى ما يشبه حال الإفلاس، مع ما يتطلب ذلك من استنفار القطاعات الإقتصادية، وهي التي لجأت في الآونة الأخيرة إلى دقّ ناقوس الخطر، بعدما وصل الوضع الإقتصادي إلى الخط الأحمر، وبعد الشلل الذي أصاب البلاد نتيجة إنعدام حركة الإستثمارات الخارجية والداخلية، وإنعكاسها على تضاؤل فرص العمل ودفع الشباب اللبناني إلى الهجرة والتفتيش عن تلك الفرص في الخارج.
وإذا كان الوضع الإقتصادي ينذر بالأسوأ، وهذا ما يُنتظر من العهد الجديد وضع حدّ له، فإن ملف الفساد المستشري سيكون من بين التحديات الكبرى، التي سيتصدى لها العهد الجديد، خصوصًا أن الرئيس الجديد آت من تيار شعاره "التغيير والإصلاح".
كل هذه الملفات وغيرها الكثير ستكون في إنتظار فخامة العماد عند باب القصر الجمهوري، وهي تحديات كبيرة سيكتب التاريخ يومًا أنها ذللت أو لم تذلل. وحكم التاريخ لن يرحم.