مرحلة جديدة في انتظار لبنان، مع انتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً بالأمس، في جلسة تاريخية على رغم بعض التصرفات الصبيانية من قبل ممثلي الشعب أدّت الى اعادة التصويت ثلاث مرات في الدورة الثانية من الجلسة، أضف الى ذلك الأصوات التي أدلى بها نواب "ضجرون" لا تمسّ الى الاستحقاق الرئاسي بصلة، أمام حشد من ممثلي الدول والفعاليات أتوا الى ساحة النجمة خصّيصا لمتابعة الحدث، ما ترك انطباعًا سيئًا لدى الحضور، مثيرًا سخرية الكثيرين، ومن بينهم صحافيون فرنسيون أتوا من بلادهم لتغطية الانتخاب.
"ما يجري مثير للشفقة" بحسب ما قال أحدهم، في تعليق على "حيلة" الصوت الإضافي التي حالت دون احتساب التصويت مرتين، بينما تعجّب آخر كيف أنّ مشرّعين بهذه الخفة يحصلون على ثقة الشعب مرارًا وتكرارًا...
هذا بالشكل. وأما في المضمون، فلا بدّ من ملاحظات ملفتة قد تحمل أكثر من مغزى والكثير من المعاني، ومنها أنّه على رغم صعوبة التصويت لأسباب "تقنية"، بقي النصاب كاملا منذ ابتداء الجلسة في دورتها الأولى، وعبر التصويت على مراحله (4 مرات في الإجماع) ولم يتزحزح أو يتراجع عدد النواب الحاضرين، بل بقي مكتملا، 127 نائبا من أصل 128 ، بعدما قبلت إستقالة النائب روبير فاضل، ما يعني أن أحدا لم يتغيب عن الجلسة أو يحاول أن يستفيد من ضياع الوقت بين دورة تصويت وأخرى للانسحاب من الجلسة. وفي ذلك إصرار واضح من قبل التكتلات النيابية كافة على إنجاز الاستحقاق وانتخاب عون ولو عن غير اقتناع في ما يختصّ ببعض هذه الكتل.
وفي هذا الواقع أكثر من دلالة، منها أنّ اللعبة الداخلية قد استوت، وأنّ الجميع على يقين أن الإبقاء على الفراغ الرئاسي أخطر من وصول أي مرشّح الى الرئاسة. والأهمّ من ذلك، هو ما يحكى عن قطبة مخفية خارجية أحاكتها دول القرار في الآونة الأخيرة وفرضتها على لبنان وبعض دول المنطقة، ما يفسّر التزام اللاعبين الداخليين بقرار انتخاب عون ولو على مضض.
يتحدّث رئيس مجلس النواب نبيه برّي في بعض الجلسات الخاصة وأمام زواره عن اعتقاده بأنّ اتفاقًا أميركيًا- إيرانيًا قد أبرم مؤخراً حول الرئاسة في لبنان، وقد استلحقت به السعودية في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذه، ما يفسّر عدم ممانعتها أن يسير رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري بعون رئيساً من جهة، وإرسالها من جهة أخرى موفدًا عنها الى بيروت هو وزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان عشية انتخاب الرئيس العتيد، في خطوة أرادت المملكة من خلالها تثبيت وجودها في المعادلة الإقليمية وفي لبنان، مذكرة الدول كما أهل الحكم في الداخل اللبناني بدورها القيادي عبر الطائفة السنية وبضرورة احترام هذا الدور في اللعبة السياسية اللبنانية.
"طبخة" ما وراء الحدود
وما يزيد من الاقتناع بوجود "طبخة" ما أعدّت وراء الحدود والبحار في ما يختصّ بالرئاسة هو تكرار الحريري أمام المعنيين بالموضوع أنّه لما كان تبنّى ترشيح عون لو أنّ السعودية أبدت ممانعة صارمة عليه. أما عدم موافقة واضحة من قبل المملكة على الجنرال، فقد يفسّر في إطار ما يُروى عن صفقة أميركية-ايرانية حول الرئاسة اللبنانية، على أنّ الرياض لم تكن معنية مباشرة بما كان يعدّ بين الطرفين، الا أنها كانت تعي أنّ اتفاقًا كان يحضّر بينهما فتركت الأبواب مفتوحة أمامها لاستدراكه والانضمام اليه في اللحظات الأخيرة كما فعلت.
وما يعلّل استعجال الأميركيين على ايجاد حلّ في لبنان قبل انتهاء عهد الرئيس باراك أوباما هو التخوف من هزة اقتصادية في البلاد بعدما بدأت المؤشرات الاقتصادية توحي بانزلاق خطير لا يمكن تحمّله داخليا، والذي بدوره يهدّد الاستقرار الداخلي الهشّ، وهذا ما تريد واشنطن تجنّبه نظرا للوجود الكثيف للنازحين السوريين على الأراضي اللبنانية، وما قد يكون له وعليه من عواقب اذا اهتزّ الوضع الداخلي. ونظرا إلى وجود استحالة في انتخاب أي مرشح غير عون في المرحلة الحالية، قد تكون فكرة الاتفاق مع ايران فرضت نفسها في لحظة على أنّها السبيل الوحيد لتجنّب الشرّ الأعظم في الساحة اللبنانية.
فهل يكون هذا الاتفاق المستتر وراء جوّ التهدئة الواضح الذي ساد في مجلس النواب أمس، خصوصا في الكلمتين المعتدلتين التي أدلى بهما كلّ من رئيس المجلس والرئيس المنتخب، على رغم الاحتدام السياسي بينهما؟ اذ انّ كلمة برّي تميزت بسقف "واقعي" حدّدته عناوين المرحلة القادمة التي ذكرها رئيس المجلس، والتي اقتصرت على اعادة تفعيل وزارة المغتربين وضرورة إقرار قانون حديث للانتخابات النيابية تكون فيه النسبية ركيزة أساسية.
أما عون، فقد التزم مجدّدا بالطائف وركّز على العناوين غير الخلافية، متطرقا الى شتى المسائل التي تلقى إجماعاً وطنيا، حتى في ما يتعلّق بالمقاومة ودورها في التحرير وحماية الوطن ضدّ اسرائيل، ومتحدثا عن خطر الإرهاب وضرورة ردعه والقضاء عليه بطريقة لا تستفزّ أي فريق سياسي.
فهل في هذا النوع من الحديث المعتدل إرادة جماعية بتجاوز الخلافات والعمل سويا بأفضل الطرق المتاحة في المرحلة المقبلة، أم انها لهجة لياقة تقتصر فقط على "افتتاحية" العهد ولا تنطبق على مسيرته؟ وهل تصدق بعض التنبؤات بأنّ "حزب الله" لن يسمّي سعد الحريري في المشاورات النيابية على رغم أنّ الصحف الإيرانية قد اعتبرت انتخاب عون نصرا لإيران، وفي ذلك دافع اضافي للحزب لـ"سيسرة" الأمور وتأمين انطلاقة موفقة لعهد ان كان هو فعلا عرّابه؟
في إي حال، يسود انطباع عام بأنّ الأمور قد تتطلّب قسطًا من الوقت قبل أن تتبلور صورة الحكومة المقبلة، كما يقول أحد الوزراء البارزين في تيار "المستقبل"، الا أنّ الاتجاه العام يبدو سليمًا بحسب هذا المصدر. ومن المتوقع أن يلتحق النائب سليمان فرنجية ببرّي في ما يتعلّق بموقفه من الحكومة الجديدة، فإمّا أن يقاطعاها سويا أو يسيران معا على درب العهد الجديد. و اذ يتوقّع البعض أن يظلّ برّي منسجما مع ما قاله سابقا وينضمّ الى صفوف المعارضة، يرى آخرون أن اقتناع رئيس المجلس بوجود اتفاق أميركي- إيراني يتعلّق بالرئاسة والعهد الجديد قد يجعله يعدل عن رأيه بالمعارضة، ما دامت "القصة أكبر" من اللاعبين الداخليين، وبالتالي لا مصلحة لأحد بالتلاعب بقواعدها.
وعلى أي حال، الجميع في انتظار ما سوف يسفر عن المشاورات النيابية التي حدّدها الرئيس المنتخب الأربعاء المقبل، ففي تسمية الحريري أو الامتناع عنها بوادر ومؤشرات عن مدى انفتاح الأفرقاء كافة على العهد الجديد.