خلافًا للعادة التي درجت في الماضي على إبقاء المسائل اللبنانيّة الشائكة رهنًا لمشيئة التجاذبات الدوليّة والإقليميّة المؤثِّرة فيها، فإنّ قراءةً متأنيّةً لحيثيّات ما "صُنع في لبنان" يوم الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأوّل الفائت، إثر اكتمال فرحة طيّ صفحة الشغور الرئاسيّ بانتخاب الجنرال ميشال عون، وما نجم عن إتمام هذا الاستحقاق الكبير من انفراجاتٍ بين كافّة الأفرقاء المحلّيّين، وبالأخصّ أولئك الذين برعوا حتّى الأمس القريب في ممارسة مختلف طقوس مناكفاتهم الكيديّة، تشي بأنّها قراءةٌ يمكن أن تُفضي في محصّلتها النهائيّة إلى استنتاجٍ مفاده أنّ الأجواء الإيجابيّة الراهنة في البلد، من شأنها أن تؤدّي بالتالي إلى حدوث انفراجاتٍ مماثلةٍ لأزماتِ بقيّة دول الإقليم، وعلى رأسها الأزمة السوريّة، الأمر الذي يعني، في إطار ما يعنيه، أنّ لبنان خرج لتوّه من طور المتأثِّر بالتجاذبات الخارجيّة إلى طور المؤثِّر فيها، ولا سيّما أنّ الكثير المؤشّرات المتوافرة حاليًّا، سواءٌ في الداخل أم في الخارج، ما زالت ترجّح باضطرادٍ كفّة نجاح العهد الجديد في المحافظة على ما ترافق مع انبثاق فجره من بشائر، شريطة أن يعي اللبنانيّون أهميّة هذه النعمة الإلهيّة التي هبطت عليهم، بقدرةِ قادرٍ، من السماء.
وإذا كان من غير المنصِف القفز في ضوء التطوّرات الأخيرة فوق البديهيّة القائلة بأنّ ما ساهم إلى درجةٍ قياسيّةٍ في حماية لبنان من أخطار الاحتراق بلهيب صراعات المنطقة، يعود أصلًا إلى وجود توافقٍ دوليٍّ وإقليميٍّ بهذا الخصوص، فإنّ الأمانة الأخلاقيّة تستوجب التأكيد على أنّ هذا التوافق لم يكن ليُقدَّر له الصمود لولا العامل المحلّيّ المتمثِّل بالدور الذي لعبته مؤسّسة الجيش اللبنانيّ وغيرها من الأجهزة الأمنيّة على صعيد تدعيم ركائزه، تمامًا مثلما تستوجب الأمانة الأخلاقيّة التأكيد أيضًا على أنّ مفاعيل الانخراط الروسيّ في الحرب على الإرهاب في سوريا، ساهمت بدورها في كبح جماح رغبات جهاتٍ لبنانيّةٍ عديدةٍ في مجال السعي إلى الاصطياد في مياه الإرهاب العكرة، وخصوصًا بعدما أدركت هذه الجهات إلى درجة اليقين الكامل أنّ حضور ماء موسكو بكثافةٍ على الساحة الشرق أوسطيّة لا بدّ وأن يُبطِل التيمّم بالتراب الأميركيّ، علاوةً على اقتناعها، ولو متأخِّرًا، بأنّ هذا الحضور مرشّحٌ لطول البقاء، وبأنّه يحمل في سلّته نفطًا وغازًا وبردًا وسلامًا.
في هذا السياق، ينبغي التذكير بما كنّا قد أشرنا إليه قبل أكثر من ثلاثةِ أشهرٍ عن أنّ المشروع الروسيّ في المنطقة، لا يقتصر على محاربة الإرهاب في سوريا وحسب، بل يستهدف التأسيس لأرضيّةٍ يتمّ الانطلاق منها في اتّجاه التوصّل إلى تسويةٍ شاملةٍ ودائمةٍ للصراع العربيّ – الإسرائيليّ، الأمر الذي كان قد تجلّى من خلال قاعدة بيانات الارتصافات الإقليميّة التي تشكّلت وقتذاك على خطّ موسكو – أنقرة – تل أبيب، وهو الخطّ الذي لا تزال معالم آفاقه وتطلّعاته تُرسَم في الأروقة الديبلوماسيّة، تمامًا مثلما لا تزال تُرسَم على الساحتين السوريّة والعراقيّة، ميدانيًّا، على الأرض.
رسائل بثينة شعبان!
على هذا الأساس، وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ كافّة الجهود التي بذلتها الإدارات المتعاقبة على سدّة الرئاسة في البيت الأبيض فشلت حتّى الآن في توفير شروط تحقيق التسوية الشرق أوسطيّة المطلوبة، سواءٌ عن سوء نيّةٍ أم لغرضٍ في نفس يعقوب، فإنّ التناغمَ الجليَّ المسجَّل حاليًّا بين الرئيس الأميركيّ المنتخَب دونالد ترامب والرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، يشي بأنّ ثمّة فرصًا حقيقيّةً لتسوية النزاعات المتوارَثة أبًا عن جدٍّ بين واشنطن وموسكو، الأمر الذي يُتوقَّع أن يُترجم عمليًّا، بشكلٍ إيجابيٍّ، في الكثير من مناطق العالم الملتهبة، وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط بالتأكيد.
ولعلّ ما يعزّز هذا الاعتقاد، يكمن في الرسائل المبطَّنة التي أراد الرئيس السوريّ بشّار الأسد توجيهها إلى الإدارة الأميركيّة الجديدة عن طريق مستشارته السياسيّة والإعلاميّة بثينة شعبان، وخصوصًا من جهة الإعراب عن استعداد دمشق لفتح قنوات اتّصالٍ مع واشنطن، نظرًا لأنّ "المؤشّرات على هذا الصعيد جيّدة".
وإذا كانت أهميّة هذا الموقف السوريّ تكمن في إطلاقه أثناء الاحتفال الذي أقامه اتّحاد الصحفيّين بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لـ "الحركة التصحيحيّة"، وخصوصًا من جهة إظهار "حرص سوريا على إقامة علاقاتٍ جيّدةٍ مع كلّ دول العالم، على ألّا تمسّ مصالحها الوطنيّة وثوابتها"، على حدّ تعبير المستشارة شعبان، فإنّ الأهمّ تمثّل في التطرّق، للمرّة الأولى بعد طول غياب، إلى شروط تسوية الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، وتحديدًا عندما قالت ما حرفيّته: "كان هناك مبدآن أساسيّان في السياسة السوريّة.. محاولة توحيد الجهد العربيّ وأنّ الأمن يجب أن يتحقّق للجميع من فلسطينيّين ولبنانيّين وسوريّين، وأنّ السلام يجب أن يكون عادلًا وشاملًا للجميع، ويجب أن تكون كلّ خطوةٍ مدروسةً وطنيًّا وإقليميًّا ودوليًّا".
موقفٌ.. تقول مصادرُ روسيّةٌ مواكبةٌ لمسار إبرة البوصلة الإسرائيليّة – السوريّة منذ تسعينيّات القرن الماضي ولغاية اليوم إنّ وزير الخارجيّة وليد المعلّم يدرك أبعاده ودلالاته أكثر من غيره بكثير، ولا سيّما أنّه كان معنيًّا بهذا الملفّ بشكلٍ مباشِرٍ أثناء عمله بصفةِ سفيرٍ لبلاده في الولايات المتّحدة، أي عندما كان منخرطًا في التفاوض، على أساس مرجعيّة مؤتمر مدريد للسلام، مع نظيره الإسرائيليّ إيتامار رابينوفيتش.
ووفقًا للمصادر الروسيّة، فإنّ تلك المفاوضات "كادت أن تنجح (وقتذاك) في حلحلة عقدة الانسحاب الإسرائيليّ إلى خطّ الرابع من حزيران 1967 كشرطٍ مسبَقٍ لتوقيع اتّفاقِ سلامٍ، ولا سيّما أنّ الجهد تركّز خلال تلك المرحلة على التوصّل إلى قناعةٍ مشتركةٍ بأن يُصار إلى تنفيذ الانسحاب على مراحلَ عدّة، بالشكل الذي تتزامن فيه كلّ مرحلةٍ مع جرعةٍ سوريّةٍ سخيّةٍ في مجال التطبيع، من أجل المساعدة على حشد الدعم للتنازلات في إسرائيل"، الأمر الذي يُعتبَر أساسيًّا جدًّا في حسابات دوائر صنع القرار في تل أبيب، نظرًا "لأنّ القانون الإسرائيليّ ينصّ على وجوب توافر غالبيّةِ واحدٍ وستّين صوتًا في الكنيست من أجل التنازل عن أراضٍ في مرتفعات الجولان، علاوةً على أنّ رئيس الوزراء قد يقرّر وجوب إجراءِ استفتاءٍ للموافقة على انسحابٍ كبيرٍ وشرعنته".
ووفقًا للمصادر الروسيّة نفسها، فإنّ المسألة التي بقيت عالقةً قبل اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيليّ إسحاق رابين عام عام 1995، تمثّلت في إصرار الدولة العبريّة على انتزاع اعتراف سوريا بالسيادة الإسرائيليّة على بحيرة طبريا في بحر الجليل، بينما كانت سوريا تصرّ على حقّها في استخدام البحيرة، بحسب الحدود التي يرسمها خطّ الرابع من حزيران، الأمر الذي سرعان ما طُويت صفحته لاحقًا، في أعقاب وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء عام 1996، واستقالة إيتامار رابينوفيتش إثر ذلك من السلك الديبلوماسيّ، واعتكافه بصفةِ باحثٍ داخل مكتبه في "مركز دايان" في جامعة تل أبيب.
على هذا الأساس، وطالما أنّ المفاوضات المباشِرة بين الجانبين كادت أن تنجح في التوصّل إلى الاتّفاق المطلوب، يصبح في الإمكان تفهّم سرّ الدخان الأبيض المتصاعد على شاكلة حمَائمِ سلامٍ من دمشق، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ سوريا اليوم مختلفةٌ تمامًا عمّا كانت عليه قبل ثلاثين عامًا، تمامًا مثلما يختلف نتنياهو اليوم عمّا كان عليه قبل الفترة ذاتها، ومثلما تختلف روسيا فلاديمير بوتين القويّة عن روسيا بوريس يلتسين الضعيفة، وكذلك مثلما تختلف الإدارة الأميركيّة الجديدة عن سابقاتها في مجال انتهاج سياسات الكيل بمكيالين واحتراف مهنة المعايير المزدوَجة.
أمّا بالنسبة إلى لبنان، فإنّ التغيير الأهمّ يتمثّل في استعادته لدوره الأصليّ باعتباره الوطن – الرسالة وليس الوطن – صندوق البريد.. وما على اللبنانيّين سوى التسبيح بحمد هذه النعمة واليقين، ولا سيّما أنّ الآتي في غمرة حضور الماء الروسيّ بكثافةٍ إلى الشرق الأوسط، سيُبطل حتمًا تقليد التيمّم بتراب الآخرين، حيث مزاج الكون سيعتدل أكثر من أيّ وقتٍ مضى.. وكلمة السرّ هنا: مستقبل حزب الله!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)