تحولت موجة الدخان الناتجة عن حرائق الغابات في كندا إلى ملف سياسي جديد بين واشنطن وأوتاوا، بعدما حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحكومة الكندية مسؤولية تدهور جودة الهواء في مدن أميركية عدة.
وبحسب Politico، هاجم ترامب ومعه عدد من الجمهوريين في الكونغرس كندا، متهمين حكومة رئيس الوزراء مارك كارني بالفشل في إزالة الأخشاب والأعشاب الجافة التي تغذي الحرائق، خصوصاً في شمال أونتاريو.
وقال ترامب، في منشور على منصة Truth Social، إن الولايات المتحدة تتعرض لما وصفه بـ"غزو" من هواء ملوث وغير صحي بسبب سوء إدارة كندا لغاباتها، معتبراً أن جودة الهواء الناتجة عن الدخان "خطيرة وغير مقبولة".
كما أعلن أنه سيتصل برئيس الوزراء الكندي لمعرفة ما ستفعله حكومته، مشيراً إلى أن التكلفة على الولايات المتحدة "لا تُقدّر"، ومهدداً بإضافة هذه الكلفة إلى الرسوم الجمركية التي تدفعها كندا.
وتوسع الهجوم الجمهوري سريعاً. فقد تعهد السيناتور الجمهوري بيرني مورينو بطرح تشريع يفرض عقوبات على كندا ومسؤولين حكوميين كنديين بسبب ما وصفه بـ"الفظاعة". كما وجّه نواب جمهوريون من ولاية ميشيغان رسالة إلى كارني، انتقدوا فيها ما اعتبروه تقصيراً كندياً في إدارة الغابات والحد من مخاطر الحرائق.
وفي نيويورك، قال النائب الجمهوري نيك لانغوورثي إنه تواصل مع مسؤولين كنديين والسفير الكندي بشأن تأثير الدخان في ولايته، مؤكداً أن على كندا اتخاذ خطوات جدية لمنع هذه الحرائق، وإلا يجب أن تكون هناك "عواقب".
لكن كندا ردت بالتأكيد على أن حرائق الغابات تحدٍّ مشترك لا يعرف الحدود. وقالت وزيرة إدارة الطوارئ إليانور أولشيفسكي إن البلدين لديهما تاريخ طويل من التعاون في مكافحة الحرائق على جانبي الحدود، مشيرة إلى أن كندا استثمرت منذ عام 2020 نحو 12 مليار دولار في استدامة الغابات والوقاية من الحرائق.
بدوره، شدد السفير الأميركي في كندا بيت هوكسترا على أهمية التعاون بين البلدين، قائلاً إن الحكومتين تتبادلان المعلومات وتراقبان الوضع بشكل فوري.
في المقابل، يقول خبراء المناخ والصحة إن تحميل كندا وحدها المسؤولية يتجاهل العامل الأوسع: تغير المناخ. فبحسب التقرير، هناك نحو 900 حريق مشتعل في كندا، وأكثر من 150 حريقاً في الولايات المتحدة، بينها 15 في ميشيغان.
ويرى خبراء أن موجة حر قياسية في أميركا الشمالية جففت الغابات وساهمت في خلق ظروف مثالية لانتشار الحرائق، خصوصاً مع العواصف والبرق.
وقال خبراء إن الحرارة الشديدة التي شهدتها أونتاريو في 13 تموز، يوم اندلاع مجموعة من الحرائق التي تسببت بمعظم الضباب الدخاني، كانت أعلى من المعدلات المعتادة بنحو 25.2 درجة فهرنهايت، معتبرين أن مثل هذه الحرارة كانت شبه مستحيلة من دون تأثير تغير المناخ.
وتسببت موجة الدخان بتدهور جودة الهواء في مدن أميركية كبرى. ووصلت بعض المناطق، بينها واشنطن، إلى مستوى "بنفسجي" على مؤشر وكالة حماية البيئة، وهو مستوى يوصف بأنه "غير صحي جداً".
ويحذر الأطباء وخبراء الصحة من أن دخان الحرائق لا يسبب مجرد انزعاج عابر. فالجسيمات الدقيقة المنبعثة من الحرائق قد تؤثر في الجهاز التنفسي والقلب، وتزيد نوبات الربو والمشكلات القلبية والرئوية، وتضر الأطفال وكبار السن والحوامل ومن يعانون أمراضاً مزمنة.
كما تشير دراسات طبية إلى أن التعرض المتكرر لدخان الحرائق قد يترك آثاراً صحية طويلة المدى.
وهكذا، تجاوز الدخان حدوده الطبيعية. فهو لم يغطِّ سماء مدن أميركية فقط، بل فتح مواجهة سياسية جديدة بين حليفين، في وقت يقول فيه العلماء إن المشكلة أكبر من حدود كندا والولايات المتحدة، وترتبط بمناخ يزداد حرارة وحرائق تصبح أكثر شدة وتكراراً.